الانتقال من آيات الأرض والنبات إلى آيات السماء والأفلاك الكبرى؛ حيث جعل الله تعاقب الليل والنهار وانقشاع الضوء عن الظلمة دليلاً ناصعاً على كمال قدرته وتصريفه للكون؛ فشبه إزالة ضوء النهار عن محل الليل بسلخ الجلد عن الشاة، فإذا نزع الضياء حل الظلام الدامس فوراً فإذا هم مظلمون ساكنون.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 572)جامع البيانالطبري٢٠/٥٧٢: «يقول تعالى ذكره: وعلامة لهم أيضاً على قدرتنا وسلطاننا: الليل ننزع منه النهار ونكشطه عنه، فإذا هم قد دخلوا في الظلمة وصاروا في ظلمة الليل. والسلخ في كلام العرب: النزع والكشط، يقال: سلخت الشاة إذا كشطت عنها جلدها».
وقال قتادة ومجاهد: «نسلخ منه النهار: ننزعه منه ونخرجه فيغشاهم الليل وتذهب الشمس وتأتي الظلمة».
وقال ابن كثير: «أي آية دالة على عظمته وقدرته التامة خلقه الليل والنهار يتعاقبان، يسلخ هذا من هذا فيذهب الضياء ويأتي الظلام، فإذا هم مظلمون؛ أي داخلون في الظلام».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اللَّيْلُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي الليل.
{نَسْلَخُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل مستتر وجوباً تقديره نحن، والجملة في محل نصب حال من الليل أو مستأنفة مفسرة للآية.
{مِنْهُ}: جار ومجرور متعلق بنسلخ.
{النَّهَارَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة للتعقيب أو فصيحة، «إذا» الفجائية لا محل لها من الإعراب وهي حرف عند الجمهور.
{هُم}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مُّظْلِمُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ أي داخلون في الظلام، وجملة الفجاءة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما استوفى الاحتجاج بآيات الأرض السفلية (الحب، الجنات، النخيل، الأعناب، العيون)، صعد بالسياق إلى الملكوت العلوي وآيات السماء (الليل، الشمس، القمر، الفلك)، ليرى الإنسان ربه في كل ذرة في الأرض وفي كل مدار في السماء.
تناسب السلخ مع إزالة الضوء؛ فالنهار كأنه كساء رقيق من الضوء يغشى سطح الأرض والكون، فإذا نزعه الله بالدوران عاد الأصل وهو الظلام الدامس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم أزلية النور وأن الظلمة مجرد عدم طارئ: يظن بعض الفلاسفة القدامى أن النور هو الأصل الثابت والظلمة عارضة.
رد الشبهة بالحقيقة الكونية الباهرة للفظ القرآني: أثبتت الفيزياء الفلكية الحديثة أن الأصل في الفضاء الكوني هو الظلام الحالك الشديد، وأن طبقة النهار والضوء المنعكس ليست إلا غلافاً رقيقاً جداً محيطاً بالأرض بسماكة ضئيلة (كالجلد الرقيق على الشاة)، وبمجرد مغادرة الغلاف الجوي يعود الإنسان إلى ظلمة الفضاء السحيق، وهو التطابق الإعجازي المعجز مع التعبير بالسلخ: {نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}.
استعارة تمثيلية أو تصريحية في {نَسْلَخُ}: حيث استعير السلخ - وهو كشط الجلد عن اللحم بدقة متناهية - لنزع الضوء وكشف الظلمة المتأصلة، للدلالة على سهولة الفعل الإلهي ودقة النظام الكوني بحيث لا يفلت جزء من الضوء دون تدبير.
المفاجأة بـ {إِذَا} الفجائية في {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}: تصوير حسي بديع لدخولهم الفوري والمفاجئ في الظلام دون تدرج يشعرون فيه بانفلات السيطرة، مع تنبيههم إلى ضعفهم وحاجتهم إلى النور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إيقاظ العواطف والضمائر عند حلول المساء وغروب الشمس؛ ليتذكر المؤمن فقره التام إلى ربه وخالقه، وأنه لولا رحمته بجعل النهار معاشاً والليل سكناً لما استقام له عيش.
التأمل في حكمة الله في الليل للراحة والعبادة والتهجد؛ فالظلمة مأوى الخاشعين ومحراب المناجاة.