تقرير قرآني جازم باستواء الإنذار وعدمه في حق هؤلاء المعاندين الذين طبع الله على قلوبهم وحقت عليهم كلمة العذاب؛ فلن يتحركوا إلى الإيمان أبداً.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 535)جامع البيانالطبري٢٠/٥٣٥: «يقول تعالى ذكره: ومعتدل عند هؤلاء الذين حق عليهم القول بأغلالهم وسدودهم وغشاوتهم؛ سواء خوفتهم يا محمد عقاب الله وحذرتهم بأسه، أم تركت إنذارهم فلم تخوفهم؛ فإنهم لا يصدقون بما جئتهم به ولا يقرون بالحق في علم الله السابق فيهم».
وقال ابن كثير: «أي قد حتم الله عليهم بالضلالة، فلا تنفع فيهم النذارة ولا يؤثر فيهم الإرشاد؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}».
وقال قتادة: «نزلت في قادة الأحزاب وصناديد قريش الذين هلكوا على كفرهم ببدر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَسَوَاءٌ}: الواو استئنافية، «سواء» خبر مقدم مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم مصدر بمعنى مستوٍ ومعتدل.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ «سواء».
{أَأَنذَرْتَهُمْ}: الهمزة للتسوية حرف مبني لا محل له، «أنذرت» فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع. وتسهل الهمزة الثانية بين بين أو تبدل ألفاً في قراءات نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ورويس، ويحققها عاصم وحمزة والكسائي.
{أَمْ}: حرف عطف متصلة لمعادلة همزة التسوية.
{لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{تُنذِرْهُمْ}: مضارع مجزوم بـ «لم» والفاعل مستتر والهاء مفعول به والميم للجمع، والجملتان من همزة التسوية والمعطوفة بتأويل مصدر مؤخر مرفوع هو المبتدأ المؤخر؛ أي: إنذارك وعدم إنذارك مستوٍ عندهم.
{لَا}: نافية.
{يُؤْمِنُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة مستأنفة أو مؤكدة للخبر ومفسرة له لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم متطابق لفظاً ومعنى مع مطلع سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، وموقعه هنا بعد آيات الأغلال والسدود كإعلان النتيجة النهائية لهذا العناد؛ فلما سُدت سبل الهدى واستكبرت النفوس، تساوى فعل الإنذار وتركه في إحداث الأثر لديهم.
يمهد هذا الإعلان للانتقال في الآية اللاحقة لحصر النذارة النافعة في المستحقين الحقيقيين: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فائدة استمرار الدعوة مع استواء الإنذار وعدمه: قد يقول قائل: إذا كان الإنذار وعدمه سواء في حقهم، فما الحكمة من استمرار النبي ﷺ في دعوتهم وإنذارهم؟
رد الشبهة بالمحاكمة التشريعية والدعوية:
استمرار الإنذار لإقامة الحجة التامة وقطع كل معذرة، لئلا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير.
النبي ﷺ لا يعلم الغيب ولا يدري من كُتب عليه الشقاء بعينه ومن سيشرح الله صدره للإسلام بعد حين، فكان واجباً عليه البلاغ العام للجميع.
نداءات الرسل وإن لم تنفع المعاندين المستكبرين، فإنها تقع في قلوب المستضعفين والموفقين فتوقظهم وتنقذهم، كما بين في الآية التالية.
صيغة التسوية بـ {سَوَاءٌ}: لإفادة الجمود التام والبلادة المعنوية لدى هؤلاء المكذبين؛ فصارت قلوبهم كالحجارة الصماء لا تؤثر فيها صواعق التحذير ولا نسائم التبشير.
التذييل الجازم بـ {لَا يُؤْمِنُونَ}: جملة فعلية تفيد استمرار النفي ورسوخه وتجريدهم من أي قابلية للتصديق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه الجهد الدعوي نحو البيئات المتقبلة: على الداعية ألا يستهلك وقته وطاقته في جدال العتاة المستكبرين الذين أعلنوا حربهم وعنادهم، بل يركز جهده على من يرجى رشده وإقباله من الباحثين عن الحق.
الحذر من تبلد المشاعر الإيمانية: أشد العقوبات أن يسمع العبد آيات الوعيد والمواعظ الجليلة فلا يخشع قلبه ولا تدمع عينه، فذلك علامة على ران القلب وتسرب داء استواء النذارة وعدمها إلى روحه.