بيان نعمة التذليل والانقياد وتعدد وجوه الانتفاع بالأنعام؛ حيث صيرها الله لينة مطواعة لبني آدم، لا تستعصي عليهم برغم ضخامتها وقوتها، فمنها ما يركبونه ويحملون عليه أثقالهم في الأسفار والمغازي، ومنها ما يذبحونه ويقتاتون بلحمه وشحمه في الحضر والسفر.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 635)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣٥: «يقول تعالى ذكره: وسخرنا هذه الأنعام لهم وذللناها حتى صارت منقادة لا تمتنع مما أرادوا بها، فمنها ركوبهم؛ أي ما يركبونه في أسفارهم وحاجاتهم، ومنها يأكلون لحومها ويشربون ألبانها».
وقرأ الجمهور {رَكُوبُهُمْ} بفتح الراء، وهو اسم لما يركب كالمركوب مثل الحلوب والقتول، وقرأ الأعمش والحسن وابن أبي عبلة {رُكُوبُهُمْ} بضم الراء وهو مصدر؛ أي ركوبهم عليها.
وقال قتادة والضحاك: «سخرها حتى يقود الصبي الصغير الجمل العظيم وينيخه ويحمله كيف شاء، ولو تركت على طبيعتها المتوحشة لما طاقها الرجال الأشداء».
وقال ابن كثير: «جعلها منقادة لهم مطيعة، لا تمتنع من واحد منهم ولو كان صبياً صغيراً، فمنها ما يركبون ومنها ما يأكلون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَذَلَّلْنَاهَا}: الواو عاطفة، «ذللنا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، و«ها» ضمير متصل مفعول به. والتذليل: جعل الشيء ذلولاً سهلاً منقاداً غير ممتنع.
{يَأْكُلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على الجملة الاسمية قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التفصيل يترتب ترتباً بديعاً على قوله {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}؛ فبين كيف تجلى هذا الملك والتسخير في الواقع اليومي؛ أولاً بانقيادها التام بالتذليل، وثانياً بانتفاعهم بأهم أمرين في بقاء الإنسان: الركوب وحمل الأثقال لقطع الفيافي، والتغذي بلحومها لإقامة الأبدان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعاة النباتية المتطرفة في تحريم أكل اللحوم بزعم أن ذبح الحيوان ظلم مطلق: يزعم بعض الفلاسفة المعاصرين أن أكل لحوم الأنعام اعتداء غير أخلاقي على الكائنات الحية.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والحكمية لخلق الأنعام وتدبيرها: خلق الله الأنعام وسخرها وأذن في ذبحها لغاية تكريم الإنسان وإمداده بالبروتين والغذاء الأوفى؛ فالذي خلقها هو الذي شرع أكلها وتذليلها {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ}، مع أمره بالرحمة والإحسان في الذبح: «فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»، فالتشريع الإلهي هو ميزان الأخلاق والعدل لا أهواء البشر المنقطعة عن هداية الوحي.