توجيه رباني للنبي ﷺ بأن يضرب لقومه المشركين المعاندين مثلاً تاريخياً مشهوداً؛ وهو قصة أهل قرية كذبوا رسل الله فأهلكهم الله بصيحة واحدة، تحذيراً لقريش من مواجهة المصير ذاته.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 541)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤١: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واضرب يا محمد لمشركي قومك من قريش مثلاً يعتبرون به وينزجرون عما هم عليه من التكذيب لك، مثل أهل القرية حين أتاها رسل الله يدعونهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له فكذبوهم، كيف أهلكناهم وجعلناهم عبرة للغابرين؟!».
واختلف المفسرون في تعيين هذه القرية:
قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والجمهور: «هي قرية أنطاكية من بلاد الشام»، وكان أهلها مشركين يعبدون الأوثان.
وقال ابن كثير: «المشهور عن كثير من السلف أنها أنطاكية، ولكن في ذلك نظر تاريخي؛ فإن أهل أنطاكية آمنوا بالمسيح وكانت من أوائل المدن التي آمنت، والقرآن ينص على أن هذه القرية كذبت واستؤصلت بالهلاك بالصيحة، فإما أن تكون أنطاكية أخرى غير المشهورة، أو قرية قديمة أهلكت قبل نزول التوراة والمسيح».
وقوله: {إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ}: أي حين بعث الله إليهم رسله لإقامة الحجة عليهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاضْرِبْ}: الواو استئنافية، «اضرب» فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت. وضرب المثل: إيراده وبيانه وتصويره للأذهان؛ مأخوذ من ضرب الدراهم إذا طبعها وصاغها على مثال ثابت.
{لَهُم}: متعلق بـ {اضْرِبْ}، والضمير يعود على مشركي مكة.
{مَّثَلًا}: مفعول به ثانٍ مقدم لـ «اضرب» منصوب بالفتحة (أو مفعول به أول).
{أَصْحَابَ}: مفعول به أول مؤخر لـ «اضرب» منصوب بالفتحة (أو بدل من مثلاً)، وهو مضاف.
{الْقَرْيَةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ والقرية: المدينة والمصر والبلدة المجتمعة الأبنية، مأخوذة من قريت الماء في الحوض إذا جمعته.
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من «أصحاب القرية» أو متعلق بـ «مثلاً».
{جَاءَهَا}: فعل ماض والهاء مفعول به مقدم.
{الْمُرْسَلُونَ}: فاعل مؤخر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة في محل جر بالإضافة لـ «إذ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الانتقال في السورة يمثل الانتقال من «مرحلة البراهين العقلية والنفسية المجردة» (الأغلال، السدود، الإحياء، الكتابة) إلى «مرحلة النموذج التطبيقي التاريخي الحي المشخص» (قصة أصحاب القرية).
ضرب الأمثال من أعظم مناهج القرآن التربوية في تحريك العقول والوجدان؛ لأن التمثيل بالوقائع التاريخية يري المخاطبين مصارع أمثالهم كأنهم يرونها عياناً، مما يقطع حبال التمادي والغرور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إبهام أسماء الأعلام والمدن في القصة القرآنية: يتساءل بعض النقاد: لماذا لم يسمّ القرآن القرية صراحة ولم يذكر أسماء الرسل بالتعيين والتأريخ كما تفعل كتب التاريخ؟
رد الشبهة والبيان الإعجازي للمنهج القرآني: إبهام التفاصيل الهامشية (اسم المدينة بدقة، أسماء الرسل وأنسابهم) هو من أسرار البلاغة والإعجاز القرآني؛ لأن القرآن كتاب هداية وتشريع وتذكرة، وليس كتاب تاريخ وتراجم وحكايات؛ فالعبرة بالحدث، والموقف، والمواجهة العقدية بين التوحيد والشرك، ومآل التكذيب بالصيحة المستأصلة؛ فتركيز الذهن على جوهر الموعظة يبقي القصة صالحة للتطبيق على كل قرية ومدينة في كل عصر ومصر تتشابه معها في مقدمات التكذيب.
أسلوب ضرب المثل في {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا}: تشبيه لحال قريش مع محمد ﷺ بحال أهل القرية مع الرسل؛ إشعاراً بأن المقدمات المتشابهة تفضي حتماً إلى النتائج المتماثلة في ميزان السنن الإلهية.
تسميتهم بـ {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ}: للدلالة على ملازمتهم لها واستيطانهم واغترارهم بحصونها وعمرانها، فلم تغن عنهم قريتهم من عذاب الله شيئاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استخدام القصص والأمثال في الدعوة: على الداعية أن يسلك منهج القرآن في استحضار الشواهد التاريخية والقصص المعبرة؛ فإن القصة تقرب الحقائق العقدية إلى الأذهان وتحدث في النفوس أثراً بليغاً لا يحدثه الكلام المجرد.
الاعتبار بمصائر الأمم: دعوة الأفراد والمجتمعات إلى التدبر في مصارع الحضارات التي كذبت الرسل وعاندت الشرائع؛ فالحصون الشامخة والأموال الوفيرة لا تدفع بأس الله إذا نزل.