بيان لمنهاج الرسالة المحمدية؛ وأن النبي ﷺ ثابت على دين قويم وصراط مستقيم لا اعوجاج فيه ولا انحراف؛ وهو التوحيد الخالص والشرع العادل.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 525)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢٥: «يقول تعالى ذكره: إنك يا محمد لمن المرسلين، على طريق مستقيم وسنة واضحة، لا عوج فيها ولا انحراف عن الحق، وهو دين الله الذي ابتعث به رسله وهو الإسلام».
وقال قتادة في قوله: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: «على الهدى والدين القويم الذي لا شك فيه ولا ريب».
وقال ابن كثير: «أي على منهج ودين صحيح وشرع مستقيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الاستعلاء والتمكن والرسوخ.
{صِرَاطٍ}: اسم مجرور بـ «على» وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ثانٍ لـ «إن» أو متعلق بـ «المرسلين» أو بمحذوف حال من الضمير في «المرسلين» أو الكاف في «إنك»؛ أي: كائناً ومستقراً على صراط مستقيم. والصراط لغة: الطريق الواسع الواضح السهل السلوك.
{مُّسْتَقِيمٍ}: نعت لـ {صِرَاطٍ} مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو اسم فاعل من استقام يستقيم؛ أي الذي لا عوج فيه ولا التواء، يوصل سالكه إلى الغاية بأقصر طريق وأضمن سبيل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقرير هو الصفة والمتمم للرسالة المذكورة في الآية السابقة؛ فبعد أن أثبت أنه من المرسلين: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، بيّن حقيقة دعوته وطبيعة مسلكه: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؛ لئلا يظن ظان أن نبوته تدعو إلى كهانة أو بدعة أو أهواء، بل تدعو إلى صراط الله الواضح المستقيم الموصل لرضوانه.
التنكير في {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لإفادة التعظيم البالغ لهذا الطريق الإلهي القويم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة رمي دعوة الإسلام بالتناقض أو التطرف: يزعم المعاندون والمستشرقون أن شريعة الإسلام تحمل غلواً أو تشريعات غير ملائمة للفطرة والعقل.
رد الشبهة بالمحاكمة المعيارية للاستقامة: نص القرآن على أن المنهج النبوي هو «عين الاستقامة والاعتدال»: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؛ فالإسلام منهج وسطي معتدل جمع بين مصالح الروح والجسد، والعدل والرحمة، والدنيا والآخرة، بلا إفراط ولا تفريط، وكل انحراف إنما يقع في المناهج البشرية الوضعية العوجاء المتأرجحة بين المادية البحتة أو الرهبانية المبتدعة.
الاستعارة التصريحية أو التمثيلية في {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: استعار الصراط المستقيم للمنهج الحق والدين القويم، تشبيهاً للأفكار والعقائد بالطرق الحسية؛ فالطريق المستقيم هو أقصر خط واصل بين نقطتين لا يضل سالكه، وما سواه خطوط ملتوية متباعدة تفضي إلى الهاوية.
استعمال حرف الاستعلاء {عَلَىٰ}: لإفادة كمال التمكن والرسوخ والاستعلاء بالحق؛ فالنبي ﷺ والمؤمنون مستعلون بهذا الصراط ثابتون عليه لا تزعزعهم رياح الشبهات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة بصحة المنهج الإسلامي: أن يشعر المسلم بالفخر واليقين والاعتزاز بهويته الإسلامية؛ فهو يسير على صراط مستقيم رسمه الله ورسوله، بينما يتخبط العالم في ظلمات الفلسفات المتناقضة.
الاستقامة العملية في الحياة: الاستقامة على الصراط المستقيم تقتضي لزوم السنة، والبعد عن البدع والمعاصي، والتوازن الأخلاقي والسلوكي في سائر شؤون الحياة.