بيان سبب النجاة والسلامة في أسفار البر والبحر؛ فما ينجو الناجون من الغرق والهلاك في المراكب إلا بمحض رحمة الله وفضله، وإرادته أن يمتعهم بحياتهم في الدنيا إلى الأجل المحدد المكتوب لهم لعلهم يتوبون ويشكرون.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 587)جامع البيانالطبري٢٠/٥٨٧: «يقول تعالى ذكره: لا ينقذهم من الغرق ولا ينجيهم أحد إذا أردنا إهلاكهم إلا رحمة منا لهم، نرحمهم بها فننقذهم وننجيهم من الهلاك، ومتاعاً إلى حين؛ أي ونمتعهم بركوب الفلك والانتفاع بها إلى أجل هم بالغوه، وهو يوم وفاتهم وانقضاء آجالهم».
وقال قتادة: «{إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا} نجاهم الله بها بعدما أوقعوا بالبلاء، {وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ}؛ أي إلى انقضاء الآجال ومفارقة الدنيا».
وقال ابن كثير: «أي ولكن برحمة منا نسيركم في البر والبحر ونسلمكم إلى حين؛ أي إلى أجل معلوم ومضروب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء ملغاة للحصر، أو حرف استثناء.
{رَحْمَةً}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي لا ينقذهم أحد إلا لرحمة منا، أو منصوب على الاستثناء المنقطع من الضمير في «ينقذون» أو من الصريخ، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: إلا أن نرحمهم رحمة.
{مِّنَّا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «رحمة».
{وَمَتَاعًا}: الواو عاطفة، «متاعاً» معطوف على «رحمة» منصوب بالفتحة.
{إِلَىٰ حِينٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «متاعاً»، والتنكير في «حين» للتقليل والتحديد؛ أي إلى وقت محدود وهو انقضاء الأجل بالموت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستثناء جاء بعد التهديد البات بالغرق ونفي المنقذ في الآية السابقة؛ ليعيد فتح باب الأمل والرجاء، وليبين أن بقاءهم على قيد الحياة وركوبهم الآمن ليس استحقاقاً ذاتياً منهم ولا عجزاً من الله عن أخذهم، بل هو محض رحمة منه وتأجيل حكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم أن نجاة الكافر والظالم في البحر دليل على رضى الله عنه أو ضعف الحساب: قد يقول قائل: لم ينجو الظلمة والكفار من حوادث الغرق والبحر وهم محاربون لله؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية في حقيقة المتاع المؤقت: بينت الآية أن النجاة ليست شهادة بصلاح ولا هي رضى عن الكفر، بل هي {مَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ}؛ أي استدراج وإمهال مؤقت إلى حلول الأجل المحتوم، لتقوم عليهم الحجة البالغة، وليوفوا حسابهم كاملاً يوم القيامة، فالمتاع المؤقت لا يغير من المصير الأخروي شيئاً.
إضافة الرحمة إلى نون العظمة {مِّنَّا}: لتفخيم هذه الرحمة وتبيان أنها منبع كل نجاة وأمان في هذا الوجود.
التنكير في {رَحْمَةً} و{وَمَتَاعًا} و{حِينٍ}: تنكير الرحمة للتفخيم، وتنكير المتاع والحين للتقليل والتحقير من شأن الدنيا الفانية؛ فكل نعيمها متاع قليل زائل لا يقاس بنعيم الآخرة المقيم.
الإشارة التدبرية: كل نفس يتنفسه الإنسان بعد نجاة من كربة أو مرض ليس إلا مهلة جديدة ومتاعاً إلى حين، فالعاقل من استثمره في تصحيح المسار قبل انقضاء الحين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك حقيقة الحياة الدنيا؛ فهي دار متاع عارض إلى أجل مسمى، لا دار قرار ولا موطن خلود.
دوام التعلق برحمة الله سبحانه؛ فالمؤمن يعلم أنه لن يدخل الجنة أحد بعمله إلا برحمة الله وفضله، كما أن نجاة بدنه في الدنيا ما كانت إلا برحمته.