استكمال لاستدلال مؤمن آل يس العقلي الباهر؛ في تفنيد عبادة ما سوى الله، وبيان عجز الآلهة المزعومة عن دفع أي ضر أو جلب نفع، وعجزها التام عن الشفاعة أو الإنقاذ إذا أراد الرحمن بالإنسان مكروهاً.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 554)جامع البيانالطبري٢٠/٥٥٤: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هذا المؤمن لقومه: أأعبد من دون الله الذي فطرني آلهة من الأوثان والأصنام التي لا تملك ضراً ولا نفعاً؟! إن يردني الرحمن الذي خلقني بسوء من مرض أو هوان أو بلاء، لا تدفع عني شفاعة هذه الآلهة شيئاً من ذلك الضر لأنها لا تشفع ولا يؤذن لها، ولا هي تقدر على تخليصي وإنقاذي من بأس الله وعذابه».
وقال قتادة: «بين لهم عجز أصنامهم وأنها لا تملك لهم من الله شيئاً، فلا شفاعة لها ولا نصرة».
وقال ابن كثير: «أبطل عبادة الأنداد؛ فإنها لو اجتمعت لم تدفع عنه ذرة من ضر أراده الله به، ولا تستطيع إنقاذه من قدره».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَأَتَّخِذُ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري الإبطالي التعجيبي، «أتخذ» فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره أنا. وتسهل الهمزة الثانية أو تبدل ألفاً في بعض القراءات ويحققها الجمهور.
{مِن دُونِهِ}: متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ «أتخذ» مقدم، والهاء مضاف إليه تعود على الله تعالى.
{آلِهَةً}: مفعول به أول مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{يُرِدْنِ}: فعل الشرط مضارع مجزوم بالسكون وحركت النون بالكسر لمناسبة ياء المتكلم المحذوفة رسماً وتخفيفاً؛ وأصله «يريدني»، والفاعل مستتر يعود على الرحمن.
{الرَّحْمَٰنُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بِضُرٍّ}: متعلق بـ {يُرِدْنِ}.
{لَّا}: نافية لا عمل لها.
{تُغْنِ}: جواب الشرط مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء).
{عَنِّي}: متعلق بـ {تُغْنِ}.
{شَفَاعَتُهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه، والجمع لمراعاة زعمهم أن آلهتهم ذوات شأن وعقل.
{شَيْئًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب؛ أي لا تغنِ إغناءً قليلاً أو كثيراً، أو مفعول به.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي.
{يُنقِذُونِ}: معطوف على جواب الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل والنون للوقاية وياء المتكلم محذوفة رسماً للتخفيف ومراعاة الفواصل؛ وأصله «ينقذوني». والإنقاذ: التخليص من الهلاك بعد الوقوع فيه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يقوم على نسف أركان الشرك نسفاً برهانياً؛ فبعد أن أثبت في الآية السابقة استحقاق الفاطر للعبادة، نفى هنا استحقاق غيره لها بنفي الغايتين اللتين يرجوهما العابد من معبوده عند الشدائد:
نفي الشفاعة والمحاماة عند البلاء: {لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا}.
نفي النصرة والإنقاذ الذاتي من الهلاك: {وَلَا يُنقِذُونِ}.
إيراد اسم {الرَّحْمَٰنُ} هنا لطيفة بيانية؛ فإذا كان الرحمن -الذي وسعت رحمته كل شيء- قد قضى بضر، فمن ذا الذي يستطيع أن يرفع هذا الضر؟! فاستحال عقلاً وجود أي ناصر أو منقذ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعلق بشفاعة الأصنام والأولياء بغير إذن الله: يعتقد المشركون في كل عصر أن معبوداتهم تشفع لهم عند الله شفاعة استقلالية تلزم الخالق بدفع الضر عنهم.
رد الشبهة والتحقيق التوحيدي الصارم: أسقطت الآية هذه الشفاعة الموهومة؛ فالشفاعة ملك لله وحده: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ورضاه، فمن اتخذ وثناً أو نبياً أو ولياً يرجو شفاعته الاستقلالية عند نزول قضاء الله فقد علق رجاءه بسراب خادع؛ إذ تلك المعبودات لا تملك لنفسها فضلاً عن عابديها نفعاً ولا ضراً.
الاستفهام الإنكاري الإبطالي في {أَأَتَّخِذُ}: أبلغ من النفي الصريح؛ لأنه يستنطق الفطرة السليمة لتنكر هذا الفعل الشنيع الذي يأباه العقل المجرد.
جمع الضمير المذكر العاقل في {شَفَاعَتُهُمْ} و{يُنقِذُونِ}: حكاية لمعتقد المشركين وتنزل معهم في الخطاب؛ كأنه يقول: هؤلاء الذين سميتموهم آلهة وزعمتم أنهم يعقلون وينفعون، لو كانوا كما زعمتم لما أغنوا عنكم فكيف وهم جماد لا يسمع ولا يبصر؟!
حذف ياء المتكلم في {يُرِدْنِ} و{يُنقِذُونِ}: لمراعاة فواصل الآي القرآنية الموسيقية، ولإفادة سرعة فوات الحيلة إذا حل قضاء الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الخوف والرجاء لله وحده: أن يوقن المؤمن بأن الضر والنفع بيد الله وحده؛ فلو اجتمعت قوى الأرض على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، فلا يلتفت قلبه إلى تمائم ولا أصنام ولا مخلوقين.
الشجاعة والصدع بالتوحيد في مجتمع الشرك: ضرب هذا الرجل المؤمن أعظم مثل في الجهر بالحق أمام قومه المشركين المحتشدين، غير هياب لتهديدهم بالرجم والتعذيب.