التنديد بعناد المشركين وتأصل داء الإعراض والجحود في نفوسهم؛ حيث يخبر سبحانه أن طبيعة هؤلاء المكذبين المستمرة وعادتهم الراسخة هي الصدود التام عن كل بينة وبرهان، فما تجيء آية دالة على توحيد الله وصدق رسله - سواء كانت آية كونية عيانية من آيات الآفاق أو آية قرآنية متلوة - إلا قابلوها بالنفور والاستكبار والإعراض التام.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 589)جامع البيانالطبري٢٠/٥٨٩: «يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء المشركين بالله من قومك يا محمد دلالة وحجة من حجج ربهم تدلهم على توحيده وصدق رسله إلا كانوا عنها معرضين، لا يتفكرون فيها ولا يتدبرونها فيعتبروا بها، بل يصدون عنها استكباراً وعتواً».
وقال قتادة: «كلما جاءتهم آية من آيات الله كذبوها وصدوا عنها».
وقال ابن كثير: «أي من معجزة ودلالة على توحيد الله وصدق رسله إلا أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها ولا استفادوا منها شيئاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، «ما» نافية لا عمل لها.
{تَأْتِيهِم}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، و«هم» ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
{مِّنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{آيَةٍ}: فاعل مجرور لفظاً بمن الزائدة مرفوع محلاً بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
{مُعْرِضِينَ}: خبر «كان» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} في محل نصب حال من الضمير في «تأتيهم» أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصلت هذه الآية بالآية السابقة {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}؛ فبينت أن إعراضهم لم يكن عن تلك الموعظة الخاصة فحسب، بل هو سلوك عام دائم وسجية خبيثة راسخة تجاه كل آية وبرهان ينزل من عند الله، وفي ذلك كشف لعلة كفرهم وهي الاستكبار النفسي لا خفاء الأدلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة زعم المشركين أنهم ينتظرون آية خارقة تقنعهم (طلب تعجيزي): يزعم المكذبون في كل عصر أنهم ما امتنعوا عن الإيمان إلا لأن الأدلة غير كافية أو لأنهم يريدون معجزة مخصوصة على مقاس أهوائهم.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والنفسية لمرض الإعراض: كشفت الآية زيف هذه الدعوى بصيغة الاستغراق التام {مِّنْ آيَةٍ}؛ فلو كانت المشكلة في نقص الدليل لآمنوا بما تواتر أمامهم من الآيات الكونية والنبوية الباهرة، ولكن العلة تكمن في الإرادة المعاندة والقرار المسبق بالإعراض والرفض، والمعاند لا تنفعه ألف آية ما دام قلبه مغلقاً.
زيادة «من» الاستغراقية في سياق النفي {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ}: لإفادة النص القطعي على عموم نفي الاستجابة لأي آية مهما دقت أو عظمت.
إضافة الآيات إلى الرب {آيَاتِ رَبِّهِمْ}: لتقبيح إعراضهم؛ فالآيات مرسلة من ربهم المنعم عليهم بالخلق والرزق والرعاية، فكان حقها الإجلال والقبول، فقابلوها بالصدود.
استعمال الجملة الاسمية في خبر كان {مُعْرِضِينَ}: للدلالة على ثبوت الإعراض واستقراره وتحوله إلى صفة ملازمة لهم لا تنفك عنهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تثبيت قلب الداعية وطمأنته؛ فلا يظنن أن إعراض المدعوين ناتج عن ضعف حجته، بل قد يكون سببه كبر النفوس واستحكام الهوى، كما فعل أسلافهم مع الرسل والآيات البينات.
الحذر الشديد من خصلة الإعراض عن آيات القرآن ومواعظه؛ فمن سمع الحق ثم أعرض عنه ونأى بجانبه تشبه بهؤلاء المحرومين.