بيان حكمة خلق الجنات وتفجير العيون، وتذكير العباد بواجب الشكر على ما وهبهم الله من طعام وصناعة؛ حيث سخر لهم الثمار ليأكلوا منها غضة ومصنوعة ومحفوظة، ونبههم إلى أن صنع أيديهم في غرسها وعصرها وتجفيفها هو بتوفيق الله وإقداره لهم، ثم أنكر عليهم تقصيرهم في أداء حق النعمة وهو الشكر.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 569)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٩: «اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}؛ فقال بعضهم: (ما) نافية، ومعناه: ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم بل خلقه الله بلطفه وإحسانه ولم يكن لهم فيه صنع. وقال آخرون: (ما) موصولة بمعنى الذي، ومعناه: وليأكلوا مما عملته أيديهم من الغرس والزرع والطبخ والعصر والصنائع، وكلا القولين حسن، وممن قال إنها موصولة الضحاك وقتادة، وممن قال نافية ابن عباس في رواية».
ورجح ابن كثير وابن عطية والقرطبي أن «ما» موصولة معطوفة على «ثمره»؛ أي ليأكلوا من ثمر خلقه الله تعالى، ومما عملته أيديهم من زراعة وتلقيح وصناعة، والجميع من فضل الله وإنعامه.
وختم الآية بالاستفهام الإنكاري: {أَفَلَا يَشْكُرُونَ}؛ أي أفلا يفردون بالعبادة المنعم بهذه الأرزاق العظام!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِيَأْكُلُوا}: اللام لام التعليل، «يأكلوا» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
{مِن ثَمَرِهِ}: جار ومجرور متعلق بيأكلوا، والهاء تعود على الجعل المفهوم من قوله «وجعلنا»، أو على المذكور من الجنات أو النخيل.
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» إما اسم موصول معطوف على «ثمره» في محل جر؛ أي: ومما عملته أيديهم، أو نكرة موصوفة، أو نافية لا محل لها من الإعراب وجملتها استئنافية أو حالية.
{عَمِلَتْهُ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به وهي العائد. وقرأ الكوفيون {عَمِلَتْهُ} بإثبات الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {عَمِلَتْ} بحذف الهاء على الأصل في صلة الموصول.
{يَشْكُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على مقدر تقديره: أيرون هذه النعم فلا يشكرون؟
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصلت الآية بما قبلها اتصال الغاية بالمغيا والعلة بالمعلول؛ فجعل الجنات وتفجير العيون كان لأجل غاية حيوية كبرى هي رزق العباد وأكلهم، ثم ترقى السياق من تعداد النعمة إلى تقرير مقتضاها الأخلاقي والعبادي وهو الشكر لله وحده.
التعبير بالاستفهام الإنكاري في {أَفَلَا يَشْكُرُونَ} جاء بعد حشد هذه الدلائل الحسية التي لا يماري فيها عاقل، فكان الإنكار في غاية الإلزام والتبكيت للمشركين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اغترار الإنسان بجهده وكسبه: يزعم كثير من المغرورين كقارون أن ما حصلوا عليه من زروع وثمار وأرباح إنما هو بذكائهم وخبرتهم وكدح أيديهم دون حاجة لشكر الإله.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية في أصل العمل والقدرة: حتى على القول بأن «ما» موصولة في {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}، فإن يد الإنسان نفسها، وطاقته البدنية، وعقله المدبر، والأرض والماء والشمس والرياح كلها مخلوقة لله مسخرة بأمره، فالفضل كله لله ابتداءً وانتهاءً، واغترار الإنسان بجهده هو جهل مركب بأصل النعمة ومصدر القوة.
عود الضمير في {مِن ثَمَرِهِ} مفرداً مذكرًا: فيه إشارة إلى المصدر الواحد أو إلى المذكور كله بوصفه نتاجاً للقدرة الإلهية.
التنكير والحذف في قراءة {عَمِلَتْ}: إيجاز بديع يبرز عظم العمل وتنوعه مما تبدعه أيدي البشر بتسخير الله.
الالتفات الرائع: بعد صيغة التكلم الإلهي المعظم {أَحْيَيْنَاهَا}، {وَأَخْرَجْنَا}، {وَجَعَلْنَا}، {وَفَجَّرْنَا}، جاء قوله {أَفَلَا يَشْكُرُونَ} بصيغة الغيبة، وفيه إعراض عنهم وتبكيت لهم على قبيح صنيعهم بجحود النعمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ أدب الشكر القلبي واللساني والعملي؛ فالشكر ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو اعتراف بالمنعم وتسخير نعمته في طاعته ومرضاته.
تكريم العمل والإنتاج البشري؛ فالآية أشارت إلى ما تعمله الأيدي من زراعة وصناعة وتطوير، مما يحث المسلم على إتقان العمل والكسب الحلال دون نسيان المنعم الحقيقي.