تقرير إلهي مهيب لحقيقة البعث بعد الموت، وإحاطة الإحصاء والتدوين لكل ما قدمه الإنسان في دنياه من حسنات وسيئات، وتدوين كل ما تركه بعد موته من آثار وأعمال حسنة أو سيئة يُقتدى بها، وحفظ ذلك كله في اللوح المحفوظ.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 538)جامع البيانالطبري٢٠/٥٣٨: «يقول تعالى ذكره: إنا نحن نحيي الموتى بعد فنائهم وتفرق أجسادهم بالنشور للجزاء والحساب، ونثبت ونكتب في صحائف أعمالهم ما قدموا في حياتهم الدنيا من خير وشر، ونكتب آثارهم التي تركوها وسنوها بعد موتهم؛ فمن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، وكل شيء من أعمالهم ومقادير الخلق ضبطناه وكتبناه وحفظناه في إمام مبين وهو اللوح المحفوظ وأم الكتاب».
وأخرج الإمام أحمد في «المسند» (رقم 11143)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١١١٤٣ ومسلم في «صحيحه» (رقم 665)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٥ والترمذي (رقم 3226)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٢٦ وقال حسن صحيح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «خَلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال ﷺ: يا بني سلمة، دياركم تُكتب آثاركم! دياركم تُكتب آثاركم!»، فنزلت: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة في {آثَارَهُمْ}: «تشمل خُطاهم بأرجلهم إلى المساجد، وتشمل السنن التي يسنها المرء فيقتدى به فيها بعد موته من خير أو شر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب، و«نا» المدغمة اسمها.
{نَحْنُ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو توكيد لاسم «إن»، أو ضمير منفصل مبتدأ وجملة {نُحْيِي} خبره، والجملة خبر «إن».
{نُحْيِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره نحن يعود على الله تعالى (ضمير العظمة).
{الْمَوْتَىٰ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، جمع ميت.
{وَنَكْتُبُ}: الواو عاطفة، «نكتب» مضارع مرفوع، وفاعله مستتر (نون العظمة). والكتابة هنا التدوين في صحف الأعمال المقترن بالقضاء.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ «نكتب».
{قَدَّمُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف (قدموه)؛ وهو ما باشروا فعله في حياتهم.
{وَآثَارَهُمْ}: معطوف على «ما قدموا» منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع. والآثار: جمع أثر؛ وهو ما يعقب الفعل ويبقى بعد زوال الفاعل من سنن حسنة أو سيئة أو خطى في الطاعات.
{وَكُلَّ}: الواو استئنافية، «كل» مفعول به مقدم لفعل محذوف يفسره المذكور بعده تقديره: وأحصينا كلَّ شيء أحصيناه، أو منصوب على الاشتغال.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{أَحْصَيْنَاهُ}: فعل ماض وفاعله «نا» والهاء مفعول به، والجملة مفسرة لا محل لها، والإحصاء: العد الدقيق والضبط التام المستوعب المحيط الذي لا يفوته مثقال ذرة.
{فِي إِمَامٍ}: متعلق بـ {أَحْصَيْنَاهُ}، والإمام في لسان العرب: ما يؤتم به ويُقتدى به، ويطلق على الكتاب الأصل الذي ترجع إليه النسخ، والمراد به اللوح المحفوظ.
{مُّبِينٍ}: نعت لـ {إِمَامٍ} مجرور بالكسرة؛ وهو الواضح البين في دلالته، أو المبيّن لما اشتمل عليه من حقائق الوجود والجزاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يتصل بالآية السابقة اتصال البرهان بالوعد؛ فلما قال تعالى: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}، بيّن هنا مستند هذا الجزاء؛ وهو أن الله يحيي هؤلاء الموتى ليوفيهم أجورهم، وأنه محيط بكل تفاصيل أعمالهم المباشرة وغير المباشرة، فكل ذرة مسجلة في كتاب محكم.
التدرج الدقيق في التوثيق والتدوين:
إحياء الموتى (القدرة على إعادة النشأة).
كتابة ما قدموا (الأعمال المباشرة في زمن الحياة).
كتابة آثارهم (الامتداد الزمني للأعمال بعد الممات).
الإحصاء العام في اللوح المحفوظ: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} (الاستيعاب والضبط الأبدي).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ضياع الآثار وتبدد الأعمال بمرور القرون: قد يتوهم العقل البشري أن ملايين السنين وموت مليارات الخلائق يضيع معها تفاصيل الأفعال وتتلاشى الآثار.
رد الشبهة بالمحاكمة الإحصائية والقيومية التامة: أكدت الآية أن الإحصاء الإلهي مطلق ومعصوم: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ}؛ فلا يعزب عن الله نَفَسٌ، ولا خطوة، ولا نية، ولا أثر سنّه الإنسان في الأرض ولو بقي آلاف السنين، فالمعلومات والجزئيات محفوظة في الأصل التكويني (اللوح المحفوظ)، والفاعل المختار عليم بكل ذرة في الوجود.
التفرقة الدقيقة بين {مَا قَدَّمُوا} و{آثَارَهُمْ}: إيجاز إعجازي يقسم التاريخ الإنساني إلى سلوك مباشر ينقطع بالموت، وأثر متجدد يستمر سارياً إلى يوم القيامة.
تسمية اللوح المحفوظ بـ {إِمَامٍ}: استعارة تصريحية أو كبرى؛ تشبيهاً للكتاب بالإمام الهادي المتبع الذي تصدر عنه المقادير وتفصل منه صحف الملائكة بلا خلل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار خطورة الآثار الممتدة بعد الموت: على المسلم أن يتفكر في أثره الذي سيتركه بعد رحيله عن الدنيا؛ هل يترك علماً نافعاً، أو صدقة جارية، أو ولداً صالحاً يدعو له، أو مشروعاً خيرياً، أم يترك بدعة ومنكراً ومواقع ومحتويات محرمة تجري عليه سيئاتها في قبره؟! فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه، وويل لمن مات وبقيت ذنوبه جارية تسعى في ميزانه.
الاحتساب في خُطا الطاعات: أن يستشعر العبد أن خطواته إلى المساجد، وسعيه في قضاء حوائج الناس، وتكبده المشاق في سبيل الله مكتوب ومحصى عند الله، فلا يضيع منه شيء عند رب العالمين.