تقرير من الرسل الكرام بحدود وظيفتهم الرسالية، وإعلان براءتهم من عواقب كفر المكذبين بعد قيام الحجة الواضحة بالبيان الجلي.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 546)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤٦: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل الرسل لأهل القرية: وما علينا في إرسال ربنا إيانا إليكم إلا أن نبلغكم رسالته بلاغاً مبيناً يوضح لكم الحق من الباطل، ويقطع عذركم بالبراهين الظاهرة، ولسنا نجبركم على الإيمان ولا نملك هداية قلوبكم، فإن أطعتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليكم وزركم».
وقال ابن كثير: «أي إنما علينا أن نبلغكم ما أُرسلنا به إليكم، فإذا أدينا ذلك فقد برئت ذمتنا، فإن استجبتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن كذبتم فستعلمون غبّ ذلك».
وقال قتادة: «البلاغ المبين: هو البيان الواضح والدلالة القاطعة التي لا لبس فيها».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْبَلَاغُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة. والبلاغ: الإيصال والإنهاء؛ مأخوذ من بلغت المكان إذا وصلت إليه، والمراد إيصال الوحي إلى عقول وأسماع المكلفين.
{الْمُبِينُ}: نعت لـ {الْبَلَاغُ} مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم فاعل من أبان الرباعي؛ أي المظهر للحقائق الكاشف للشبهات، أو المبيّن لما يحتاج إليه العباد من أمر التوحيد والشرائع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
هذا النظم يمثل كمال الرد الحكيم من الرسل؛ فلما بينوا في الآية السابقة شهادة الله على صدقهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}، حددوا هنا حدود رسالتهم وسلطتهم: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}؛ ليفهم أهل القرية أن الرسل لا يطلبون سلطاناً، ولا ينازعونهم ملكاً، ولا يملكون إنزال العذاب أو الهداية القسرية، وإنما هم سفراء بلاغ مبين.
أسلوب القصر والحصر بـ {مَا... إِلَّا} لقطع أي توهم في ادعاء الرسل لمقام الربوبية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إلزام الرسل بإكراه الناس على الإيمان: يزعم بعض المعاندين أن الرسل إذا كانوا صادقين مؤيدين بالقوة الإلهية فلماذا لا يلزمون الناس بالإيمان قهراً؟
رد الشبهة بالمحاكمة الفلسفية والتشريعية للابتلاء: بينت الآية أن طبيعة دار الدنيا هي «دار ابتلاء واختيار» لا دار قهر وإلجاء؛ فلو أُكره الناس على الإيمان لبطل معنى التكليف والجزاء وسقط الثواب والعقاب، والوظيفة المنوطة بالرسل عقلاً وشرعاً هي «البلاغ المبين» الذي يزيل كل شبهة ويوضح الطريق، فإذا استبان الطريق قامت الحجة وكان الإنسان مسؤولاً عن اختياره الحر.
أسلوب القصر والحصر بالنفي والاستثناء: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا...}؛ لتجريد المهمة الرسالية وتحديد نطاقها بدقة وحزم.
تقديم الجار والمجرور {عَلَيْنَا}: لإفادة الاختصاص؛ أي هذا هو واجبنا الوحيد ولا يلزمنا سواه.
الوصف بـ {الْمُبِينُ}: احتراز عظيم؛ لبيان أن البلاغ لم يكن مجملاً غامضاً، بل كان بلاغاً معجزاً ناصعاً أبان كل حق ودفع كل ريب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وضوح الهدف عند الداعية: ينبغي للداعية أن يدرك أن واجبه محصور في «البلاغ المبين»؛ بالبيان الناصع، والحجة البالغة، والخلق الرفيع، فإذا أدى ذلك بيقين فقد أدى ما عليه، وليس عليه هداية التوفيق.
الاستعلاء بالدعوة والتجرد من المطامع: إعلان الرسل أنهم لا يريدون إلا البلاغ يعطيهم قوة أدبية وهيبة أمام الطغاة؛ فالداعية المتجرد لله لا يطمع في دنيا الناس ولا يخشى سطوتهم.