الامتنان بثمار الجنة ولذائذها وتحقيق كل ما تشتهيه الأنفس وتطلبه؛ فلأهل الجنة في تلك البساتين كل أنواع الفواكه اللذيذة المتنوعة الألوان والطعوم التي لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولهم فوق ذلك كل ما يتمنونه ويطلبونه ويدعونه؛ فبمجرد أن يخطر المطلب في بالهم يكون حاضراً بين أيديهم بلطف الله وإكرامه.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 610)جامع البيانالطبري٢٠/٦١٠: «يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الأصحاب للجنة في الجنة فاكهة من كل ما يتفكهون به من الثمار الطيبة، ولهم فيها ما يدعون؛ أي ما يتمنون ويطلبون، يقال في كلام العرب: ادّعِ عليّ ما شئت؛ أي تمنّ واطلب ما شئت فهو لك حاضر».
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: «{وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ}؛ أي ما يشتهون ويتمنون مما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم».
وقال السعدي: «ذكر الفاكهة وهي كل ما يتلذذ به من الأطعمة الطيبة بعد القوت، وقوله: {وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ} أي ما يطلبونه ويتمنونه من كل مطلوب ومشتهى، فكل ما خطر ببالهم وجدوه حاضراً بين أيديهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من فاكهة أو بالخبر.
{مَّا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{يَدَّعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره: يدعونه. والادعاء هنا على وزن افتعال من الدعاء بمعنى الطلب والتمني والرغبة؛ أي ما يطلبونه ويدعون بإحضاره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من الخاص المشاهد إلى العام المستغرق؛ فبدأ بذكر الفاكهة وهي أطيب أطعمة التنعم والتلذذ، ثم ارتقى إلى قمة النعيم التي تستوعب كل خيال وأمنية: {وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ}؛ لئلا يبقى في نفوسهم أدنى رغبة أو طموح إلا وهو مجاب ومكفول في الحال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الملل من تكرار النعيم في الخلود: يظن البعض بقياس خاطئ على الدنيا أن خلود الإنسان في النعيم يورث السآمة والملل مع مرور الأحقاب.
رد الشبهة بالمحاكمة النفسية واللغوية لمعنى {مَّا يَدَّعُونَ}: الملل يعتري النفس في الدنيا لمحدودية الخيارات، ولأن لذة الشيء تزول باعتياده وتصاحبها شوائب النقص؛ أما في الجنة فإن قوله {وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ} يضمن التجدد المطلق والدائم؛ فكلما تمنى العبد نعيماً جديداً أو لوناً مبتكراً وجده فوراً، وثمار الجنة تتجدد طعومها في كل لقمة كما قال تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}؛ أي متشابهاً في المنظر مختلفاً في المذاق، مع نفي رغبة التحول عنها إطلاقاً: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا}.
صيغة الافتعال في {يَدَّعُونَ}: تدل على قوة الطلب وعمق الرغبة؛ فكل ما تتكلف النفس طلبه وتستعظمه في الدنيا هو ميسور مهيأ لهم في الجنة بغير كلفة ولا انتظار.
تكرار شبه الجملة {وَلَهُم}: لإبراز اختصاصهم بهذا الإكرام الملكي المطلق، وللتلذذ بذكر نجاتهم وسعادتهم.
الإطلاق في اسم الموصول {مَّا}: يفتح أبواب النعيم إلى آفاق لا حصر لها، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير النفس من قيود الطمع الدنيوي الزائل؛ فكل لذائذ الأرض قطرة تافهة في بحر نعيم الآخرة، ومن ترك شيئاً لله في الدنيا عوضه الله خيراً منه في الجنة.
دوام الدعاء والتضرع لله في الدنيا؛ فمن اعتاد دعاء ربه في الشدة والرخاء، أقر الله عينه بإجابة كل ما يدعيه ويتطاول إليه أمله في الفردوس الأعلى.