التذكير بنعمة البصر والقدرة الإلهية النافذة على سلب النعم وإهلاك العاصين في الدنيا قبل الآخرة؛ حيث يبين سبحانه أنه قادر لو شاء أن يعاقب هؤلاء المكذبين في الدنيا بطمس أعينهم ومحو ضوئها بالكلية حتى تصبح كالجبهة لا شق فيها ولا بصر، فيتسابقون ويتخبطون إلى الطريق المألوف الذي يسلكونه، فكيف يبصرونه حينئذ وقد سلبوا نور العيون وحيل بينهم وبين الرؤية؟
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 624)جامع البيانالطبري٢٠/٦٢٤: «يقول تعالى ذكره: ولو نشاء نحن لأعمينا أبصار هؤلاء المشركين ومحوناها حتى لا يروا شيئاً، فاستبقوا الصراط؛ أي فبادروا الطريق ليمضوا فيه على عادتهم، فأنى يبصرون؛ أي فكيف يبصرون الطريق وقد طمسنا على أعينهم وسلبناهم البصر؟ ولكنا رحمناهم وأبقينا عليهم أبصارهم هداية لهم وتأكيداً للحجة عليهم».
وقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: «الطمس: إعماء العين ومحوها بالكلية، والصراط: الطريق؛ فلو أعميناهم لتسابقوا إلى طريقهم المعتاد، فكيف يهتدون إليه وقد أذهبنا أبصارهم!».
وقال ابن كثير: «أي لو شاء لأعمى أبصارهم في الدنيا فجعلهم عمياً يتخبطون لا يهتدون إلى صراط ولا يعرفون طريقاً، ولكنه أمهلهم وأبقى عليهم الحواس لتقوم عليهم حجته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، «لو» حرف شرط غير جازم يفيد الامتناع للامتناع.
{نَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر وجوباً تقديره نحن، ومفعول المشيئة محذوف؛ أي: لو نشاء طمس أعينهم.
{لَطَمَسْنَا}: اللام واقعة في جواب «لو»، «طمسنا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل. والطمس: إزالة الأثر والمحو حتى يستوي الموضع، يقال: طمس عينه إذا أذهب ضوءها وشقها فصارت مسحاء.
{عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بطمسنا.
{فَاسْتَبَقُوا}: الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب، «استبقوا» فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل. والاستباق: التسابق والابتدار إلى الشيء.
{الصِّرَاطَ}: مفعول به منصوب على السعة أو بنزع الخافض؛ أي تسابقوا إلى الصراط (الطريق).
{فَأَنَّىٰ}: الفاء عاطفة للتعقيب، «أنى» اسم استفهام بمعنى كيف أو من أين مبني على السكون في محل نصب حال.
{يُبْصِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والاستفهام إنكاري استبعادي نفيي؛ أي لا يبصرون بحال من الأحوال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الالتفات إلى مظاهر القدرة في الدنيا يعقب مشهد الحساب في الآخرة؛ ليدلل على أن الإله الذي يقبض الأرواح ويختم على الأفواه وينطق الجوارح في القيامة، قادر أيضاً في هذه الدار الدنيا على شل حركاتهم وسلب حواسهم، ولكن حلمه وإمهاله حال دون ذلك لعلهم يرجعون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم العجز الإلهي عن معاقبة الظلمة والعتوة في الدنيا لمعاشهم آمنين سليمين: قد يظن الجاهل أن سلامة الكفار في أبدانهم وحواسهم دليل على إفلاتهم من القدرة الإلهية.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لسنّة الإمهال والرحمة: بينت الآية بـ {لَوْ نَشَاءُ} أن سلب النعم وإيقاع الشلل والعمى بالظالمين في طرفة عين أمر هين مقدور لله في كل لحظة، لكنه سبحانه حليم يمهل ولا يهمل، ويبقي الحواس سليمة لتقوم الحجة على العباد بأسماعهم وأبصارهم، فسلامة الحواس ليست عجزاً عن عقابهم بل هي نعمة تستوجب الشكر والإنابة.