الجواب القرآني الحاسم المباغت على استعجالهم الساخر؛ حيث يخبر سبحانه أن هؤلاء المكذبين لا ينتظرون في الحقيقة إلا نفخة الصعق الأولى في الصور، وهي صيحة هائلة مدمرة تأتيهم فجأة وهم غارقون في شؤون دنياهم وخصوماتهم وأسواقهم دون أدنى شعور أو مقدمات تدريجية فيموتون جميعاً في لحظة واحدة.
ثبت في «صحيح البخاري» (حديث 6506) و«صحيح مسلم» (حديث 2954) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها».
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 594)جامع البيانالطبري٢٠/٥٩٤: «يقول تعالى ذكره: ما ينتظر هؤلاء المشركون المستعجلون بالعذاب إلا صيحة واحدة وهي نفخة الصعق في الصور، تأخذهم وهم يختصمون في أسواقهم ومطاعمهم ومشاربهم ومعاملاتهم، لا يشعرون بنزولها حتى تهلكهم جميعاً».
وقرأ الجمهور {يَخِصِّمُونَ} بكسر الخاء المشددة وتشديد الصاد المكسورة، وأصله: يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد ونقلت حركتها إلى الخاء، وقرأ عاصم في رواية حفص {يَخِصِّمُونَ} بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَا}: نافية لا عمل لها.
{يَنظُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والنظر هنا بمعنى الانتظار؛ أي ما ينتظرون.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{صَيْحَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَاحِدَةً}: نعت لصيحة منصوب بالفتحة الظاهرة.
{تَأْخُذُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هي يعود على صيحة، و«هم» ضمير مفعول به، والجملة في محل نصب نعت ثانٍ لـ «صيحة».
{وَهُمْ}: الواو حالية، «هم» ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{يَخِصِّمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «هم»، وجملة {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} في محل نصب حال من الضمير في «تأخذهم». والخصومة: التنازع والجدال في المعاملات والبيع والشراء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا الجواب بعد سؤالهم الاستهزائي {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ}؛ فجاء الرد مفحماً ومرعباً؛ إن الوعد الذي تسخرون منه وتستعجلونه لن يأتي بمقدمات تتيح لكم التوبة أو النجاة، بل سيأتي بصيحة واحدة خاطفة تهدم كل غفلتكم وتأخذكم على حين غرة.
وصف الصيحة بـ {وَاحِدَةً} يبرز كمال القهر والقدرة؛ فصيحة واحدة تكفي لإفناء البشرية جمعاء بلا حاجة لتكرار أو تدريج.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم بطء الانتقام وأنه دليل على السلامة: يظن العاصي المعاند أن استمرار حياته في البيع والشراء والجدال برهان على بطلان وعيد الله.
رد الشبهة بالمحاكمة الواقعية لطبيعة الفواجع المفاجئة: تصوير القرآن للحظة النهاية وهم {يَخِصِّمُونَ} هو عين الواقع المشاهد في الزلازل والكوارث والموت الفجائي؛ حيث تأتي الصاعقة والإنسان في قمة انشغاله بجداله الدنيوي وجمع المال، فالموت لا يستأذن ولا يرسل إنذارات مسبقة، والغفلة في اللحظة الأخيرة قمة الخسران.
التصوير الحركي والدرامي المباغت في {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ}: حيث يجسد المشهد حركة الأسواق وارتفاع الأصوات بالخصومة والجدال على دنانير ودراهم ومتاع زائل، وفجأة تنقطع كل الأصوات بصيحة واحدة تخرس الجميع في لحظة كونية مذهلة.
الإيجاز بالحصر في {مَا يَنظُرُونَ إِلَّا}: قطع للأمل الكاذب وبيان أن مصيرهم محتوم لا فكاك منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إيقاظ الغافلين من رقدة التنافس الدنيوي المذموم؛ فالانهماك في الخصومات والمظالم والجدال الفارغ قد تنقطع حبائله بغتة بموت مفاجئ أو بقيام الساعة.
تربية النفس على دوام الجاهزية للقاء الله، والبعد عن المخاصمات والنزاعات الباطلة التي تقسي القلوب وتنسي الآخرة.