الأمر بالقذف في نار جهنم ومقاساة حرها الشديد جزاءً وفاقاً على كفرهم المستمر في الدنيا؛ حيث يصدر الحكم التنفيذي بإلقائهم في لهيب النار ليعانوا صلاها ووهجها المحرق، بسبب ما كانوا عليه في الدنيا من جحود وتكذيب للحق.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 619)جامع البيانالطبري٢٠/٦١٩: «يقول تعالى ذكره: يقال لهم: ادخلوها وقاسوا حرها وسعيرها واغمروا في لهبها اليوم، بما كنتم تكفرون؛ أي بسبب كفركم بالله في الدنيا وتكذيبكم رسله، فذوقوا صلاها اليوم عقوبة لكم على ذلك».
والصلي في كلام العرب: مقاساة حر النار ومباشرتها بالأبدان.
وقال ابن كثير: «أي ادخلوها وغشوها وتجرعوا غصصها، جزاء على ما كان منكم من الكفر والعناد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اصْلَوْهَا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به مبني في محل نصب. وصلي النار: مقاساة حرها ومباشرتها والاحتراق بها.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق باصلوها.
{بِمَا}: الباء سببية، و«ما» مصدرية، أو اسم موصول في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق باصلوها.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
{تَكْفُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر «كنتم»، والمصدر المؤول من «ما كنتم تكفرون» في محل جر بالباء؛ أي: بسبب دوام كفركم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الأمر التنفيذي {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ} يمثل النتيجة الحتمية المباشرة لقوله {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}؛ فبعد إحضارهم وإيقافهم عليها وإلزامهم بالحجة، أُمروا بالدخول والصلي فوراً، مع ربط العقوبة بالسبب العادل {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم القسوة في العذاب أو عدم تناسبه مع مدة الكفر القصيرة في الدنيا: كيف يعذب الكافر عذاباً أبدياً على كفر سنوات معدودة في الدنيا؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية في ميزان النية والعدل الإلهي: الجزاء في ميزان العدل الإلهي لا يُقاس بالمدة الزمنية فقط، بل يُقاس بعظم الجرم وبنية الفاعل؛ فالقاتل في الدنيا يرتكب جريمته في دقائق معدودة ويُحكم عليه بالسجن المؤبد أو الإعدام فلا يستنكر عاقل ذلك، والكافر قد استقر في نيته وعزمه أنه لو خُلّد في الدنيا لملايين السنين لاستمر على كفره وعناده: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}، فقوبلت نيته الدائمة بالخلود في العقاب، مع قوله الحق: {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} لإثبات أن الجزاء عدل محض بما كسبت أيديهم.
لفظ {اصْلَوْهَا} دون مجرد «ادخلوها»: يحمل تصويراً حسياً فائق الألم لمباشرة النار للجلود واللحوم والأعظام وغشيان السعير للأبدان من كل جهة.
الباء السببية في {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}: تؤكد قاعدة العدل التام؛ فليس العذاب ظلماً ولا جزافاً، بل هو الثمرة الطبيعية للبذرة الخبيثة التي زرعوها في الدنيا.
استعمال الفعل الناقص مع المضارع {كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}: للدلالة على أن كفرهم لم يكن زلة عابرة، بل كان حالة مستقرة ودأباً مستمراً راسخاً في حياتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة الإيمان والحذر من نواقضه ومفسداته؛ فالكفر والشرك هو الذنب الوحيد الذي يحرم صاحبه من الرحمة ويخلده في صلي النار.
الخوف من الاستدراج وموت القلوب؛ فإن الإصرار على المعاصي قد يقود تدريجياً إلى قسوة القلب ثم إلى التكذيب والكفر والعياذ بالله.