بيان للسبب والمضمون الذي تمنى مؤمن آل يس أن يعلمه قومه؛ وهو مغفرة ربه لذنوبه وتكريمه وإلحاقه بمنازل الأنبياء والصديقين في الجنة بسبب صبره وإيمانه.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 560)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٠: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل ذلك المؤمن: يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي ذنوبي، وإكرامه إياي بثوابه والجنة بسبب إيماني وتصديقي بالرسل؛ ليعلموا أن ما دعوناهم إليه هو الحق فيؤمنوا وينالوا ما نلت من الكرامة».
واختلف أئمة اللغة والتفسير في «ما» في قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي}:
الوجه الأول: مصدرية؛ أي بغفران ربي لي وإكرامه إياي.
الوجه الثاني: موصولة؛ أي بالذي غفر لي به ربي من الإيمان والصبر، أو بالذي أعطانيه من المغفرة والإكرام.
الوجه الثالث: استفهامية حُذفت ألفها والأصل «بمَ غفر لي»؛ أي بأي سبب نلت هذه المغفرة والكرامة؟ والصحيح الأول والثاني المشهوران.
وقوله: {مِنَ الْمُكْرَمِينَ}: أي الذين كرمهم الله بدخول دار كرامته ورؤية ملائكته ونيل رضوانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِمَا}: الباء حرف جر للسببية أو الملابسة، «ما» مصدرية (أو اسم موصول في محل جر).
{غَفَرَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{لِي}: جار ومجرور متعلق بـ {غَفَرَ}.
{رَبِّي}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه. والمصدر المؤول من «ما» المصدرية وما بعدها في محل جر بالباء متعلق بـ «يعلمون».
{وَجَعَلَنِي}: الواو عاطفة، «جعل» فعل ماض والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
{مِنَ الْمُكْرَمِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ «جعل»، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم، وهو اسم مفعول من أكرمه الله إكراماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو المفعول والمفسر لقوله في الآية السابقة: {يَعْلَمُونَ}؛ فالأمنية كانت معلقة بأن يعلم القوم هذا التكريم الإلهي؛ ليتحسروا على تفريطهم ويسارعوا إلى الإيمان.
الترتيب البديع: بدأ بـ {غَفَرَ لِي} وهو التخلية والنجاة من العقاب، ثم ثنّى بـ {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} وهو التحلية ونيل الفضل والكرامة، وتلك هي السعادة المطلقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم استحقاق التكريم بالعمل المجرد: قد يظن المغتر بعمله أنه يدخل الجنة ويكرَم استحقاقاً ذاتياً على الله.
رد الشبهة والتحقيق التوحيدي: صدر الشهيد اعترافه بـ {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي}؛ فالمغفرة هي الأصل والأساس في النجاة، ونسب الفعل إلى الرب الرحيم «ربي» إشعاراً بأن كل ما ناله كان محض فضل ورحمة ورعاية وتوفيق من ربه ومربيه بالنعم، فالكرامة هبة من الكريم سبحانه لمن صدق في اتباعه.
إضافة الرب إلى ضمير المتكلم في {رَبِّي}: إظهار للمحبة، والأنس، والاعتزاز بهذه الرعاية الخاصة التي حظي بها من مولاه.
التعبير باسم المفعول المعرّف بأل في {الْمُكْرَمِينَ}: لإفادة أنه صار من زمرة مخصوصة مشهورة بالإكرام والسيادة عند الله؛ كالملائكة المقربين والنبيين والصديقين: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الإيمان والشهادة في ميزان الله: مهما عاش الإنسان وضيعاً فقيراً في أعين أهل الدنيا (كنجار أو قصار أو مريض)، فإن الإيمان والصدق يرفعه إلى أعلى منازل الإكرام عند الله ويبقى ذكره مخلداً في التنزيل يتلوه مئات الملايين إلى يوم الدين.
استحضار ثمار التضحية: من بذل نفسه لله لم يضع عند الله، فالعاقبة الحميدة والمغفرة التامة والكرامة الأبدية تنتظر الصادقين في جنات الخلود.