التذكير بقدرة الله القاطعة على سلب الحركة وتجميد الأبدان ومسخ الصور؛ حيث يخبر سبحانه أنه لو أراد عقابهم لأحال خلقهم وصورهم وهم في منازلهم ومواضعهم التي يعصونه فيها إلى حجارة صماء أو خشب يابسة أو قردة وخنازير، فيصيبهم الشلل التام، فلا يقدرون على التقدم والمضي للأمام، ولا يستطيعون الرجوع إلى الوراء، بل يبقون مسمرين هالكين في أمكنتهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 626)جامع البيانالطبري٢٠/٦٢٦: «يقول تعالى ذكره: ولو نشاء لغيرنا خلقهم وصورهم فأقعدناهم أو جعلناهم حجارة أو حيوانات ممسوخة في منازلهم ومواضعهم التي اجترؤوا فيها على معاصينا، فما استطاعوا حينئذ مضياً أمامهم فيذهبوا، ولا يرجعون وراءهم فينجوا، بل يبقون جامدين في أمكنتهم لا حراك بهم».
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «المسخ: تحويل صورهم في منازلهم إلى حجارة أو قردة وخنازير، فما يستطيعون أن يذهبوا ولا يجيئوا بل يلزمون مكانهم جامدين هلكى».
وقرأ الجمهور {عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ} بالإفراد، وقرأ أبو بكر عن عاصم {عَلَىٰ مَكَانَاتِهِمْ} بالجمع، والمكان والمكانة بمعنى واحد؛ أي منازلهم ومواضعهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَوْ}: الواو عاطفة، «لو» حرف شرط غير جازم ممتنع لامتناعه.
{لَمَسَخْنَاهُمْ}: اللام واقعة في جواب لو، «مسخنا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، و«هم» مفعول به. والمسخ: تبديل الصورة والذات من صورة بهية إلى صورة قبيحة جمادية أو حيوانية.
{عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير «هم»، ومكانة مضاف، و«هم» مضاف إليه.
{فَمَا}: الفاء عاطفة مفرعة على المسخ، «ما» نافية.
{اسْتَطَاعُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{مُضِيًّا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مصدر مضى يمضي؛ أي ذهاباً للأمام.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» نافية.
{يَرْجِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة «ما استطاعوا»؛ أي ولا يستطيعون رجوعاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التهديد هو التوأم التكميلي لآية طمس الأعين السابقة؛ ففي الآية الأولى هدد بسلب البصر مع بقاء القدرة على المشي والتسابق المتخبط {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ}، وهنا ارتقى في التهديد بسلب الحركة كلها والقدرة الذاتية بالمسخ والتجميد في المكان، ليعلم الإنسان أنه محاصر تماماً في جوارحه وحواسه وحركته تحت قهر الجبار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد تحول الكائن الحي البشري إلى جماد أو مسخ بصورة مفاجئة: يزعم المادي أن قوانين البيولوجيا تمنع التحول اللحظي للصورة الحية إلى جماد أو حيوان آخر.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لسلطان القدرة المطلقة على المادة: القوانين البيولوجية والفسيولوجية ليست أرباباً مستقلة، بل هي سنن خلقها الله ويملك تبديلها في لحظة؛ فالذي خلق الإنسان من سلالة من طين وجعل من الماء خلايا حية قادراً بكل بداهة على إعادة تنظيم الذرات وتحويل الخلايا الحية إلى حجارة أو خشب في رمشة عين: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}، وتاريخ الأمم شاهد على مسخ بني إسرائيل قردة وخنازير، فالأمر كله بكلمة {كُن}.
التقييد بـ {عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ}: لإفادة المباغتة المطلقة وتسميرهم في مواضعهم دون إتاحة أدنى فرصة للهروب أو الاحتماء بحصن.
الجمع بين المضي والرجوع {مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ}: استقصاء واستيعاب لجهتي الحركة؛ فلا تقدم ولا تأخر، وهو التعبير الأتم عن الشلل الكامل والعجز المحيط.
المخالفة في التعبير بين المصدر {مُضِيًّا} والفعل {يَرْجِعُونَ}: تفنناً بلاغياً، ولبيان أن الحركة أصلاً ممتنعة وأن تكرار محاولة الرجوع ممتنع أيضاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة العافية والقدرة على الحركة والمشي؛ فكم من صحيح أصبح فجأة مشلولاً لا يقدر على مضي ولا رجوع، فالمؤمن يتذكر فضل الله عليه في كل خطوة يخطوها.
الخوف من معصية الله في بيوته وأماكن أمنه؛ فالله قادر على أن يمسخ العاصي ويفضحه في المكان الذي بارز الله فيه بالمعاصي.