مسك ختام سورة فاطر؛ آية جليلة تبين سعة حلم الله ولطفه بخلقه، وأنه لو عاقب الناس فور اقترافهم للذنوب والمعاصي لأهلك الأرض ومن عليها ولأفنى سائر الدواب، ولكنه يحلم ويؤجل العباد إلى وقت محدود مقدر، فإذا انقضى الأجل حاسبهم بعدله وجازاهم ببصيرته التامة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 517)جامع البيانالطبري٢٠/٥١٧: «يقول تعالى ذكره: ولو يعاقب الله بني آدم في عاجل الدنيا بذنوبهم وسيئاتهم التي كسبوها، لأهلكهم جميعاً، ولأجدب الأرض حتى لا يبقى على ظهرها دابة تدب من إنسان وحيوان وطائر؛ لشؤم معاصي بني آدم، ولكن الله بحلمه وكرمه يؤخر عقوبتهم ومؤاخذتهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة وانقضاء آجالهم المكتوبة، فإذا انقضى أجلهم وحان حسابهم، فإن الله كان بجميع عباده بصيراً؛ محيطاً بأعمالهم، عالماً بمستحق العقوبة ومستحق الكرامة، فيجزي كل نفس بما كسبت».
وأخرج الطبري وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كاد الجُعَلُ أن يُعَذَّبَ في جُحره بذنب ابن آدم»، ثم قرأ عبد الله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}.
وقال قتادة والكلبي: «شؤم معصية ابن آدم يمنع المطر من السماء فيضر بالبهائم والدواب في البر والبحر حتى تهلك؛ فلو أخذهم الله بكل ما كسبوا لما ترك على وجه الأرض دابة».
وقال ابن كثير: «أي لو عاقبهم على جميع ذنوبهم لأهلك أهل الأرض وما يملكونه من دواب وأرزاق، ولكنه حليم غفور ينظر ويؤجل ولا يهمل، فإذا جاء الأجل وفّى الجميع أجورهم وأعمالهم؛ فإنه بصير بهم لا يظلم مثقال ذرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، «لو» شرطية امتناعية تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط؛ أي امتنع إفناء الدواب لامتناع تعجيل المؤاخذة بحلم الله.
{يُؤَاخِذُ}: فعل الشرط مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والمؤاخذة: المحاسبة والمعاقبة على الذنب والظلم.
{اللَّهُ}: اسم الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{النَّاسَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{بِمَا}: الباء سببية، «ما» اسم موصول (أو مصدرية) في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ {يُؤَاخِذُ}.
{كَسَبُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف (كسبوه)؛ والمراد ما اقترفوه من الشرك والخطايا والظلم.
{مَا}: نافية لا عمل لها واقعة في جواب «لو».
{تَرَكَ}: جواب الشرط فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
{عَلَىٰ ظَهْرِهَا}: جار ومجرور متعلق بـ {تَرَكَ}، والهاء ضمير متصل يعود على الأرض المعلومة من السياق وإن لم يسبق ذكرها صريحاً في الآية لدلالة المعنى.
{مِن دَابَّةٍ}: «من» زائدة لتأكيد استغراق النفي، {دَابَّةٍ}: مفعول به مجرور لفظاً منصوب محلاً، والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان وحيوان وطير وزاحف.
{وَلَٰكِن}: الواو عاطفة للاستدراك، «لكن» حرف استدراك ونصب مهملة أو مخففة لا تعمل.
{يُؤَخِّرُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{إِلَىٰ أَجَلٍ}: متعلق بـ {يُؤَخِّرُهُمْ}.
{مُّسَمًّى}: نعت لـ {أَجَلٍ} مجرور بكسرة مقدرة للتعذر؛ وهو يوم القيامة أو وقت موت كل إنسان.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفريعية، «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{جَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{أَجَلُهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه، والجملة في محل جر بالإضافة لـ «إذا».
{فَإِنَّ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، «إن» حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم الجلالة اسم «إن» منصوب بالفتحة.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص واسمها مستتر.
{بِعِبَادِهِ}: متعلق بـ {بَصِيرًا}، والهاء مضاف إليه.
{بَصِيرًا}: خبر «كان» منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة «كان بعباده بصيراً» في محل رفع خبر «إن». وجواب الشرط لـ «إذا» محذوف دل عليه قوله {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}؛ أي فإذا جاء أجلهم جازاهم وحاسبهم فإنه بصير بأعمالهم لا يفوته منها شيء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الختام القرآني هو ذروة الإعجاز في التناسب مع مطلع السورة وكلياتها؛ فالسورة افتتحت بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وعرضت آيات الإبداع والرحمة والنذارة ومصارع الأمم، ثم خُتمت بهذه الآية التي تكشف سر بقاء هذا الوجود الإنساني رغم كثرة مظالمه وفجوره؛ وهو «حلم الله ورحمته وتأخيره الحساب إلى أجل مسمى».
التناسب مع الآية السابقة: بعد أن ذكر نفوذ قدرته وأنه لا يعجزه شيء، بين هنا أن عدم إهلاك الظالمين في التو ليس عن عجز، بل هو بمقتضى الحكمة والإمهال واللطف التام بالخلق أجمعين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هلاك الدواب والبهائم بذنوب بني آدم: يتساءل البعض: ما ذنب الدواب والبهائم والطيور غير المكلفة حتى تهلك إذا أهلك الله الناس بذنوبهم؟!
رد الشبهة والبيان الحكمي والبيئي الدقيق:
بين السلف والعلماء أن الأرض وما عليها من دواب ونبات خُلقت مسخرة لبني آدم ومقومات لحياتهم وابتلائهم؛ فإذا هلك بنو آدم واستؤصلوا بذنوبهم انقضت حكمة وجود تلك المسخرات على وجه الأرض.
شؤم معاصي بني آدم من الشرك والظلم يفسد التوازن البيئي فيمنع الله به القطر من السماء وتجف الأنهار، فتهلك الدواب تبعاً لجدب الأرض وانقطاع الأرزاق، فكان ذلك برهاناً حسياً على أن معصية الإنسان جريمة تتعدى آثارها المدمرة إلى الطبيعة والخلائق بأسرها، ولذلك يلعن العصاةَ دوابُ الأرض وحيتان البحر عند احتباس المطر.
أسلوب الشرط الامتناعي بـ {وَلَوْ}: يفيد أن عدم الإفناء واقع رحمة وفضلاً؛ فالإمهال سنة إلهية ثابتة تدل على كمال الغنى والحلم.
التنكير والاستغراق بـ {مِن دَابَّةٍ}: بزيادة «من» الاستغراقية؛ ليدل على أنه لن ينجو كائن يدب على الأرض؛ من نملة وصغير وكبير، فنجاتهم وبقاؤهم مستند إلى حلم الفاطر العظيم.
الكناية في {عَلَىٰ ظَهْرِهَا}: جعل الأرض كالدابة أو المركب الذي يحمل الخلائق على ظهره، وفيه استشعار لقرب الفناء وسهولة نفض ما على هذا الظهر إذا حان أمر الله.
التذييل بـ {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} وحذف جواب الشرط: لإفادة التهويل واليقين المطلق بالجزاء العادل؛ فالله بصير بمراتب استحقاقهم، وبصير بقلوبهم وأعمالهم، فيضع العقوبة في موضعها الحق والثواب في محله الكريم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اللهج بشكر الله على نعمة الإمهال والحلم: كم من ذنب يقترفه العبد وكم من فاحشة تجري في الأرض والله ينظر ويحلم ويستر ويرزق! فالواجب على العبد أن يذوب حياءً وشكراً من ربه الحليم الذي يؤخره للتوبة ولا يعاجله بالنقمة.
الاستعداد ليقين الميعاد: إن تأخير الأجل ليس إلغاءً للحساب؛ فـ «إذا جاء أجلهم» حانت ساعة الحسم وانكشفت الحقائق بين يدي البصير العليم، فالسعيد من استثمر المهلة وتدارك عمره قبل إغلاق الصحف ومفارقة ظهر الأرض إلى باطنها.