روى الطبري (ج19، ص334)مصدر غير محدد١٩/٣٣٤ والواحدي وابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن عُقْبَة بن أبي مُعَيْط كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع حديثه بمكة ولا يؤذيه، وكان رجلاً حليماً، فصنع عقبة طعاماً فدعا إليه أشراف قريش ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وُضِع الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بآكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فشهد عقبة بذلك فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من طعامه. وكان أُبَيّ بن خَلَف صديقاً لعقبة وكان غائباً بالشام، فلما قدم أُخبر بما صنع عقبة، فأقبل عليه مغضباً وقال: يا عقبة، أصبأت؟! قال: لا والله، ولكن دخل علي رجل في بيتي فأبى أن يأكل من طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له! فقال أبيّ: لا أرضى عنك أبداً ولا أبرح حتى تأتيه فتتفل في وجهه وتشتمه وتكذبه! ففعل ذلك الشقي عقبة بن أبي معيط لعنه الله... فقُتل عقبة يوم بدر صبراً، وقُتل أبيّ يوم أُحد، فأنزل الله تعالى فيهما هذا المشهد الخالد: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}".
وقال ابن كثير: "وإن كانت نزلت في عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف، فإن حكمها عام في كل ظالم تخلى عن سبيل الرسول واتبع خليل السوء، فيعض على يديه ندامة يوم القيامة حسرة وأسفاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَعَضُّ}: العَضُّ إمساك الشيء بالأسنان والضغط عليه بشدة، وعض اليدين كناية عربية مشهورة عن الغيظ الشديد والندم البالغ الذي لا تدارك له.
{سَبِيلًا}: طريقاً ومسلكاً ومنهاجاً في الاتباع والنجاة.
الإعراب:
{وَيَوْمَ}: الواو عاطفة، يوم ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر.
{يَعَضُّ}: مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الظَّالِمُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وأل للجنس تشمل عقبة وكل ظالم على شاكلته.
{يَقُولُ}: مضارع وفاعله مستتر، والجملة في محل نصب حال من الظالم.
{يَا لَيْتَنِي}: يا حرف نداء والمنادى محذوف أو حرف تنبيه، ليت حرف تمن ونصب والنون للوقاية والياء اسمها.
{اتَّخَذْتُ}: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل، والجملة خبر ليت.
{مَعَ الرَّسُولِ}: مع ظرف متعلق باتخذت والرسول مضاف إليه.
{سَبِيلًا}: مفعول به لاتخذت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التصوير الكارثي للندامة والحسرة الإنسانية! بعد أن وصف اليوم بأنه عسير على الكافرين، رسم هنا لوحة نفسية وحركية حية تختصر كل معاني الانهيار الداخلي للظالم.
دقة التعبير بـ {عَلَىٰ يَدَيْهِ}: جرت عادة النادم في الدنيا أن يعض على إصبعه أو أنملته، أما في هذا المشهد الأخروي المهول فإن هول الندامة جعله يعض على يديه كلتيهما؛ يأكل يديه من شدة الحنق على نفسه وفوات الفرصة.
التعبير بـ {اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}: لم يقل: "اتبعت سبيل الرسول"، بل قال {مَعَ}؛ لبيان أنه تمنى لو رافق الرسول وكان معه في خندق واحد وطريق واحد تنجيه من نار الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شؤم قرناء السوء وضغط البيئة المحيطة:
تكشف الآية أحد أعظم أسباب هلاك الإنسان عبر التاريخ: وهو الخوف من كلام الناس والتضحية بالحق لإرضاء الصديق المقرب أو الحزب أو العشيرة؛ فعقبة بن أبي معيط كان يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه فضل إرضاء صديقه أبيّ بن خلف ومجاملته حتى كفر بالله ومات كافراً؛ وهذا برهان عقلي على أن الصداقة التي لا تبنى على الحق تنقلب إلى عداوة ولعنة أبدية.