هذه الآية الكريمة هي شكوى النبوة العظمى وأعظم عتاب وتخويف لكل من هجر كتاب الله؛ روى الطبري (ج19، ص338)مصدر غير محدد١٩/٣٣٨ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}: "يشكو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه كفار قريش وإعراضهم عن القرآن وتركهم الإيمان به والاستماع إليه، وقولهم فيه: سحر وشعر وأساطير الأولين".
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: "هجروه فلم يؤمنوا به، ولم يعملوا بمحكمه، ولم يعتبروا بأمثاله، وكانوا إذا تلي عليهم لغوا فيه وصاحوا حتى لا يسمعوه".
وبيّن الإمام ابن القيم في الفوائد مراتب هجر القرآن التي تشملها الآية:
هجر سماعه والإصغاء إليه والإيمان به.
هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.
هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب والأبدان.
وقال ابن كثير: "هذه شكوى عظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه من صنيع قومه؛ فإن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعون له، فإذا قرئ عليهم لغوا وتكلموا بغيره حتى لا يسمعوه، فذلك من هجرانه، وترك تدبره والعمل به من هجرانه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَهْجُورًا}: اسم مفعول من الهَجْر وهو الترك والمباعدة والقطيعة، وقيل: من الهُجْر (بضم الهاء) وهو الكلام القبيح والهذيان؛ أي قالوا فيه هجراً وزوراً، والأول هو الأشمل والأظهر عند جماهير المفسرين.
الإعراب:
{وَقَالَ}: الواو استئنافية، قال فعل ماض مبني على الفتح.
{الرَّسُولُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَا رَبِّ}: يا حرف نداء، رب منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والكسرة دليل عليها، والياء المحذوفة مضاف إليه.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{قَوْمِي}: اسم إن منصوب بفتحة مقدرة والياء مضاف إليه.
{اتَّخَذُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{هَٰذَا}: اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به أول لاتخذوا.
{الْقُرْآنَ}: بدل من اسم الإشارة منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مَهْجُورًا}: مفعول به ثان لاتخذوا منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الموقع وأعظمه في سياق السورة! تدرجت الآيات في فضح موقف المشركين من القرآن:
زعموا أنه إفك مفترى (آية 4).
زعموا أنه أساطير الأولين تملى عليه (آية 5).
طعنوا في الرسول وأعرضوا عنه وعضوا على أيديهم ندامة في الآخرة (آيات 7 - 29).
فجاءت هذه الآية لتسجل الموقف النبوي الخالد: شكوى حارقة يرفعها المصطفى صلى الله عليه وسلم مباشرة إلى رب العزة من هذا الصدود والهجران.
التعبير بـ {إِنَّ قَوْمِي}: إضافة القوم إلى نفسه فيها تحسر وإشفاق وألم؛ فهم قومه وعشيرته الأقربون الذين كان يرجو نجاتهم فخذلوه وهجروا كتاب ربهم.
التعبير باسم الإشارة {هَٰذَا الْقُرْآنَ}: للتنويه بعظمة القرآن وجلال قدره؛ فكأنه يقول: كيف يهجر مثل هذا الكتاب المعجز العظيم الذي هو عين النور والهداية والشفاء؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم الشكوى وشمولها لكل من فرط في القرآن:
رد وهم من يظن أن الآية خاصة بكفار قريش:
قرر أئمة التحقيق أن النص وإن كان سببه المباشر مشركي مكة، إلا أن لفظه وعبرته موجهة للأمة جمعاء؛ فكل من ترك تلاوة القرآن، أو ترك تدبره والعمل به، أو عطل تحكيم شريعته في القضاء والسياسة والاقتصاد وحياة المجتمع، فقد دخل في حظ من هذه الشكوى النبوية الرهيبة؛ فكيف يرجو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم غداً من كان خصمه وشاكيه إلى الله يوم القيامة؟!
النداء بـ {يَا رَبِّ}: حذف ياء المتكلم للاستعطاف والقرب؛ وإظهار لشدة الالتجاء إلى الرب الحامي والناصر.
التنكير في {مَهْجُورًا}: للتهويل والتقبيح؛ أي هجراناً منكراً فاحشاً لا يليق بمثل هذا الكتاب الكريم.
تدبر هيبة الشكوى النبوية: موقف يرتجف له وجدان كل مؤمن؛ أن يقف النبي الحبيب الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم شاكياً هجران قومه، فما أعظم الخسارة وما أشد الخزي لمن كان من هؤلاء المهجورين!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء العلاقة اليومية مع القرآن: الالتزام بورد يومي ثابت من التلاوة والتدبر والعمل، وعدم هجر المصحف لأي سبب.
تحكيم القرآن في سائر شؤون الحياة: جعل نصوص القرآن الحاكم الأسمى على العقول والأخلاق والمعاملات والقوانين.
تربية الجيل على تعظيم الوحي: غرس محبة القرآن وتدبره في نفوس الأبناء وتأهيلهم ليكونوا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.