روى الطبري في جامع البيان (19/293)مصدر غير محدد١٩/٢٩٣ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} أي لازماً دائماً ملحاً لا يفارق صاحبه ولا ينفك عنه أبداً، كالغريم الذي يتبع مدينه لا يفارقه؛ وكل شيء لزم شيئاً فلم يفارقه فهو غرام.
قال الحسن البصري رحمه الله: "كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم؛ ألا وإن الله علق العذاب بأهل النار فلن ينفك عنهم أبداً".
بين ابن كثير (6/123)مصدر غير محدد٦/١٢٣: "أي ومع طاعتهم وعبادتهم وقيامهم بالليل، هم وجلون خائفون مشفقون من عذاب الله، يسألونه أن يصرف عنهم عذاب النار؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}".
روى الترمذي (رقم 3175)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٧٥ عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يُقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: معطوف على الموصول السابق في محل رفع.
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع وفاعله، والجملة صلة الموصول.
{رَبَّنَا}: منادى مضاف حذف منه حرف النداء للتقريب، منصوب بالفتحة، و"نا" مضاف إليه.
{اصْرِفْ عَنَّا}: اصرف فعل دعاء وتضرع مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت، وعنا جار ومجرور متعلقان بـ "اصرف".
{عَذَابَ جَهَنَّمَ}: عذاب مفعول به منصوب، وجهنم مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث أو العجمة.
{إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}: جملة تعليلية لمطلب الصرف. إن واسمها، كان فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على العذاب، وغراماً خبر كان منصوب بالفتحة. والغرام في اللغة: الهلاك الدائم، واللوازم المستقر، والشر الذي لا مهرب منه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين كمال الطاعة وكمال الخوف والوجل: نظم قرآني بديع يقطع العجب والغرور؛ فبعد أن بين أنهم يبيتون لربهم سجداً وقياماً، لم يصفهم بالتبجح ولا بالإدلال على الله بأعمالهم، بل وصفهم بالتضرع والوجل والخوف من النار، كأنهم لم يقدموا حسنة قط.
التعليل الدقيق باللزوم: تعليل سؤال الصرف بأن عذابها {غَرَامًا} دائم ملازم؛ لأن انقطاع العذاب يخفف وطأته على النفس، أما إذا تيقن المعذب بالخلود واللزوم كان ذلك أبلغ في التحذير والوجل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الإدلال بالعمل والأمن من مكر الله:
تبطل الآية مسلك المغترين من أهل البطالة أو المائلين إلى العجب بصالح أعمالهم؛ فعباد الرحمن يجمعون بين غاية الإحسان في العمل وغاية الخوف من الرد والتقصير، لعلمهم بجلال الله وعظيم حقه الذي تعجز الطاقات عن الوفاء بشكره.
المؤمن يسير إلى الله بجناحي الخوف والرجاء؛ فالخوف يمنعه من الأمن ومقاربة المعاصي، والرجاء يدفعه إلى الاستزادة من الطاعات والتوكل.
بيان عدالة العقاب وخلوده للكافرين:
وصف العذاب بأنه "غرام" ملازم تأكيد لعقيدة أهل السنة في خلود الكافرين والمشركين في نار جهنم أبداً، وأن عذابها لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.
حذف ياء النداء في {رَبَّنَا}: دلالة على شدة القرب الوجداني والشعور بالأنس والافتقار إلى الرب الرحيم عند الفزع والتضرع.
الاستعارة في لفظ {غَرَامًا}: استعارة صفة الملازمة اللصيقة في الغريم الملاحق لمدينه للتعبير عن استمرار العذاب وشموله واستحالة الفكاك منه إلا برحمة الله.
التعبير بالجملة الاسمية المؤكدة بـ "إن" وكان {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}: لترسيخ هذه الحقيقة في أذهان السائلين، وجعل الخوف مستقراً راسخاً يوجه سلوكهم في الحياة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة العجب والرياء في النفس: تذكير النفس دائماً بأن دخول الجنة برحمة الله وفضله، وأن أعظم الأعمال الصالحة قد تحبط بالعجب والغرور.
المداومة على الاستعاذة من عذاب جهنم: الاقتداء بعباد الرحمن في كثرة الدعاء بصرف عذاب النار، وتكرار الاستعاذة النبوية المأثورة دبر كل صلاة.
استشعار خطورة النار: تأمل صفات النار وأهوالها ليكون ذلك واعظاً ورادعاً عن اقتراف الذنوب والشهوات المحرمة في الخلوات.