روى الطبري في جامع البيان (19/278)مصدر غير محدد١٩/٢٧٨ بإسناده عن قتادة وابن عباس: أي لو شئنا لبعثنا في كل قرية نبياً يدعوهم وينذرهم ويخفف عنك أعباء الرسالة، ولكننا خصصناك يا محمد ببعثك إلى الناس كافة أحمرهم وأسودهم، لتكون سيد ولد آدم وأعظمهم أجراً.
ذكر ابن كثير (6/114)مصدر غير محدد٦/١١٤: "يقول تعالى مخبراً عن قدرته وحكمته ورأفته بنبيه ورسالته: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا} أي يخفف عنك ذلك الحمل الثقيل، ولكنا خصصناك برسالة العالمين، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، وفي الصحيحين: 'وبُعثتُ إلى الناس عامة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة'".
قرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (13/57)مصدر غير محدد١٣/٥٧: المعنى أن الله تعالى لو شاء لخفف مشقة الإنذار عن النبي صلى الله عليه وسلم بتوزيعها على أنبياء كثر، ولكنه حمله الرسالة العامة تعظيماً لقدره ورفعة لدرجته ومضاعفة لأجره صلى الله عليه وسلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، "لو" شرطية غير جازمة تدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط (حرف امتناع لامتناع).
{شِئْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع "نا"، و"نا" فاعل. ومفعول المشيئة محذوف تقديره: لو شئنا بعث نذير في كل قرية.
{لَبَعَثْنَا}: اللام واقعة في جواب "لو"، "بعثنا" فعل ماض وفاعله.
{فِي كُلِّ قَرْيَةٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ "بعثنا"، و"قرية" مضاف إليه. والقرية في اللغة: المصر والمدينة والمجتمع السكاني من قرى الماء إذا جمعه.
{نَّذِيرًا}: مفعول به لـ "بعثنا"، وهو فعيل بمعنى منذر، أي رسولاً ينذرهم عذاب الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصالها بما قبلها: لما ذكر الله تعالى دلائل التوحيد في الآفاق والأنفس، وأشار إلى تكذيب المكذبين واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وضيق صدره بهم، سلى نبيه صلى الله عليه وسلم وبيّن له أن انفراده بالرسالة ليس عجزاً من الله عن إرسال غيره، بل هو تشريف واختصاص له؛ ليتسلى بذلك عن عنادهم.
التمهيد لما بعدها: جاء هذا التقرير تمهيداً للأمر الصريح في الآية التالية: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}؛ فما دام العبء قد خُصص بك، والرفعة قد أُفردت لك، فكن جديراً بهذا المقام ولا تطع مكذبيك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على شبهة كفار قريش: "هلا أُنزل إلى كل قوم رسول منهم؟":
أثبتت الآية كمال القدرة الإلهية؛ فالله قادر على بعث نذير في كل قرية وبلدة، لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الرسالة الخاتمة واحدة عامة للعالمين؛ لتوحيد البشرية تحت راية رب واحد وكتاب واحد ونبي واحد، ولتظل شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، متجاوزة للعصبيات القومية والجغرافية.
دفع توهم المشقة غير المحتملة: إن تحميل النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة العامة لم يكن تعجيزاً، بل أمدّه الله بأعظم سلاح وهو القرآن المحفوظ، وأيّده بجند من المؤمنين حملوا الرسالة من بعده إلى أرجاء المعمورة.
تنكير {نَّذِيرًا}: للتعظيم والتقليل في آن؛ أي نذيراً واحداً في كل قرية، مقابل ما خص به النبي من الإنذار العام للثقلين.
إيجاز الحذف في مفعول المشيئة: جرياً على أسلوب القرآن البليغ عند دلالة الجواب عليه؛ لتركيز الذهن على عظمة الجزاء وعظمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم.
تدبر عظمة المنة: استشعار قدر خاتم الأنبياء عند ربه؛ إذ ائتمنه على بلاغ الرسالة إلى العالمين أجمعين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحمّل المسؤوليات الكبرى: على الداعية أن يدرك أن عظم التكليف دليل على عظم التشريف عند الله، فكلما ثقلت أعباء الدعوة عظم الأجر والرفعة.
التسلية عند قلة المعينين: إذا شعر الداعية بالوحدة وثقل الطريق، فليتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بالأمر وحده في مواجهة العالم، فوفقه الله وأظهر دينه.
استحضار عالمية الرسالة: العمل على إيصال نور الإسلام إلى كافة الآفاق بكل الوسائل المتاحة، لأن رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ليست محلية ولا إقليمية بل عالمية عامة.