روى الطبري (19/308)مصدر غير محدد١٩/٣٠٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن: يقول: لم يتصامموا عنها كأنهم لم يسمعوها، ولم يتعاموا عنها كأنهم لم يروها؛ بل خضعت لها قلوبهم، ووعتها أسماعهم، وبصرت بها عيونهم، ففهموا ما فيها وخروا سجداً وبكياً سامعين مطيعين.
قال الحسن البصري رحمه الله كلمة ذهبية: "كم من رجل يقرؤها ويسجد عليها وهو يخر عليها أصم أعمى! ولكن المؤمن إذا ذكر بآيات ربه سمع فأطاع، وأبصر فانتفع، ولم يكن كالكافر والمنافق الذي تمر به الآيات فلا يحرك لها ساكناً".
قال ابن كثير (6/130)مصدر غير محدد٦/١٣٠: "أي بخلاف الكافر الذي إذا سمع كلام الله لم يؤثر فيه، بل يظل على كفره وعماه وصممه؛ كما قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا}؛ وأما المؤمن فإذا ذُكر انتفع وتدبر وخشع".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: معطوف على ما قبله في محل رفع.
{إِذَا ذُكِّرُوا}: إذا ظرف زمان خافض لشرطه، ذُكروا فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله، وواو الجماعة نائب فاعل.
{لَمْ يَخِرُّوا}: لم جازمة، يخروا فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل. وخَرّ يَخِرّ خُروراً: هو السقوط والنزول على الأرض بسرعة، ويستعمل في السجود والوقوع.
{عَلَيْهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "يخروا"، والضمير يعود على الآيات.
{صُمًّا}: حال منصوبة من واو الجماعة في "يخروا"، جمع أصم وهو فاقد حاسة السمع.
{وَعُمْيَانًا}: معطوف على صماً منصوب بالفتحة، جمع أعمى وهو فاقد حاسة البصر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رعاية الحاسة الإدراكية الباطنة: بعد أن نزههم عن شهود الزور ومقاربة اللغو، بين أعلى مراتب الإدراك والوعي عندهم؛ وهي الاستجابة الحية اليقظة لكلام الله وآياته، فالقلب الطاهر من لغو الباطل هو القلب المؤهل لفيوضات التنزيل.
التعريض بالمنافقين والمكذبين: نفي هذه الصفة المنفرة (الخرور صماً وعمياناً) هو تعريض فاضح بحال المشركين والمنافقين الذين يسمعون القرآن كأن في آذانهم وقراً وفي عيونهم غشاوة، لا يعقلون منه شيئاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على التقليد الأعمى والتدين الشكلي:
تقرر الآية أصلاً قرآنياً عظيماً: الإسلام يرفض الاتباع الأعمى والتقليد الساذج للحق ذاته؛ فالمؤمن لا يتعامل مع آيات ربه بتبرك جامد أو طقوس ميتة دون فهم وتدبر وإدراك عقلي وبصيرة واعية.
حتى في مقام السجود والخرور للآيات، لا يريد الله سجوداً آلياً لا روح فيه ولا يعي صاحبه مراد التنزيل، بل يريد خروراً نابعاً من البصيرة والسمع الواعي.
دحض تهمة تعطيل العقل في الدين:
الآية حجة قاطعة تسقط افتراءات الملاحدة القائلين بأن الإيمان تسليم أعمى؛ فالقرآن يذم هنا من يتصامم أو يتعامى، ويحث على إعمال أرقى أدوات المعرفة الإنسانية (السمع، البصر، العقل) في فهم الوحي ودلائل الآفاق.
دلالة نفي القيد والحال {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}: النفي هنا متوجه إلى القيد (صماً وعمياناً) وليس لأصل الخرور؛ أي إذا خروا عليها ساجدين متأثرين لم يخروا صماً وعمياناً بل خروها سميعين بصيرين فاهمين واعين.
الاستعارة التمثيلية للغفلة بالصمم والعمى: تشبيه من يقرأ القرآن دون تدبر وعمل بالأصم الذي لا يسمع شيئاً والأعمى الذي يتخبط في الظلام.
تدبر نسبة الآيات إلى الرب {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ}: إضافة الآيات إلى صفة الربوبية تذكيراً بعناية الله وتربيته لعباده بالوحي، فالتذكرة بها تذكرة بفضل المربي والمنعم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ فقه التدبر القرآني: الحث على قراءة القرآن بفهم وخشوع، وعدم الاقتصار على سرد الحروف ونيل الأجر المجرد دون استيعاب المقاصد وتطبيق الأحكام.
سرعة الاستجابة للموعظة: إذا ذُكر المسلم بآية من كتاب الله انقاد وخضع، ولم يكابر أو يصر على خطئه، بل قال: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
محاربة الجهل والتبعية في المجتمع المسلم: بناء أجيال واعية فاهمة لأصول دينها وأدلتها، قادرة على الرد على الشبهات ببصيرة وعلم راسخ.