روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص312)مصدر غير محدد١٩/٣١٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير في جواب المعبودين الصالحين والملائكة لله عز وجل: {قَالُوا سُبْحَانَكَ}: "تنزيهاً لك وتقديساً أن يكون لك شريك أو ولد أو ند"، {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ}: "أي ما كان يصح ولا يستقيم لنا ونحن عبيدك أن نتخذ نحن أرباباً وأولياء من دونك، فكيف نأمر غيرنا بعبادتنا؟! وحاشا لنا أن ندعو أحداً إلى الشرك".
وقرأ أبو جعفر: {أَن نُّتَّخَذَ} بضم النون وفتح الخاء مبنياً للمجهول، أي ما كان ينبغي لنا أن يتخذنا غيرنا أولياء ويعبدونا.
وقوله: {وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ}: بيّنوا علة ضلال المشركين؛ وهي طول الأمل، وبسط النعم الدنيوية، واستدراجهم بالرخاء والعافية دون شكر، حتى غفلوا عن التذكرة والوحي وتركوا العمل بطاعتك، {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} قال ابن عباس: "هلكى، لا خير فيهم، من قولهم: أرض بور إذا كانت خربة ميتة لا زرع فيها ولا نبت".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سُبْحَانَكَ}: مصدر سبّح منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، ويفيد تنزيه الله وتقديسه وتبرئته من كل عيب ونقص وشريك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا الأدب النبوي والملائكي في حضرة الرب الجليل! استهلوا جوابهم بالتسبيح والتنزيه {سُبْحَانَكَ} قبل كل كلام، إجلالاً لله وتعظيماً له عن لوثة الشرك.
التدرج الدقيق في الجواب:
نفي الشرك عن أنفسهم بأقوى عبارة: {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا}، وبيان أنهم فقراء عبيد لا يملكون لأنفسهم ولاية مع الله.
تشخيص سبب الانحراف الحقيقي عند المشركين: وهو الاستدراج بالشهوات والنعيم {وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ}.
بيان الثمرة الفاسدة لهذا الاستدراج: نسيان الذكر والوحي، حتى تحولت نفوسهم إلى أرض بور خربة هلكى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أثر الترف والاستدراج بالنعم على الغفلة والهلاك:
تفكك الآية أخطر أسباب الإلحاد والشرك في المجتمعات المترفة: وهو تحول النعمة إلى نقمة حين تخلو من الشكر؛ فطول الأمد في الرخاء، وتوارث النعم عبر أجيال من الآباء إلى الأبناء دون ابتلاء، يورث القلوب قسوة، وينسيها الحاجة والافتقار إلى الله، فيستغني الإنسان بماله ويطغى {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}، حتى ينسى الوحي ويهلك في أودية البوار.
توكيد النفي بـ {مِنْ} الزائدة: {مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ}؛ لاستغراق النفي القطعي لأي ولي أو إله مزعوم سوى الله العظيم.
الاستعارة التصريحية في {قَوْمًا بُورًا}: تشبيه نفوسهم بالأرض البور القاحلة التي لا ينبت فيها خير ولا تنفذ فيها قطرة ماء؛ لبيان موت قلوبهم وخلوها التام من الإيمان.
تدبر خطورة نسيان الذكر: نسيان كتاب الله وهديه هو الفاصل بين الحياة الحقيقية وبين البوار؛ فمن نسي الذكر بارت تجارته وخربت روحه وهلك مع الهالكين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من فتنة النعيم وطول الأمل: شكر الله المستمر على النعم بالقلب واللسان والعمل، وألا يغتر المسلم بسلامة صحته ووفرة ماله.
الأدب الرفيع في مخاطبة الله: تنزيه الرب في كل موطن والبدء بتسبيحه وحمده قبل عرض الحجج والمسائل.
عمارة القلوب بالذكر لتجنب البوار: ملازمة تلاوة القرآن وتدبره لتبقى القلوب حية خصبة مثمرة بالخيرات، والفرار من الغفلة المهلكة.