روى الطبري (19/281)مصدر غير محدد١٩/٢٨١ عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: {مِنَ الْمَاءِ} يعني النطفة المفرغة في الأرحام. {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} فالنسب: القرابة الصريحة التي لا تحل بها المناكحة من جهة الآباء والأمهات، والصهر: ما كان عن طريق التزوج ومصاهرة الأحياء والقرابة الحادثة بالنكاح.
قال ابن كثير (6/116)مصدر غير محدد٦/١١٦: "أي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة مهينة، فصوره وعدله وجعله نوعين: ذكراً وأنثى، ثم نشأت عنهما القرابات والوشائج؛ فمنها النسب وهو القرابة العصبية والرحمية، ومنها الصهر وهو المصاهرة بالزواج؛ وقسم الله بهما أحكام التحريم والإرث وحقوق الأرحام".
ذكر القرطبي (13/59)مصدر غير محدد١٣/٥٩ استنباط الفقهاء من هذه الآية: دلت الآية على تكريم الرابطة الزوجية وجعلها قسيمة لقرابة النسب، مما يبطل كل علاقة خارج نطاق النكاح الشرعي؛ فالزنا سفاح لا يثبت به نسب شرعي ولا صهر كريم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَهُوَ الَّذِي}: مبتدأ وخبر (اسم موصول)، مبنيان.
{خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا}: خلق فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، ومن الماء جار ومجرور متعلقان بـ "خلق"، وبشراً مفعول به منصوب. والماء هنا ماء النطفة.
{فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}: الفاء عاطفة للتعقيب والترتيب، جعل فعل ماض ينصب مفعولين، والهاء مفعول به أول، ونسباً مفعول به ثان، وصهراً معطوف عليه منصوب.
النسب: القرابة الحاصلة من جهة الولادة (الآباء والأبناء والإخوة والأعمام). والصهر: القرابة الحاصلة بالمصاهرة وعقد الزواج (أقارب الزوجة وأقارب الزوج).
{وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا}: الواو استئنافية، كان واسمها المرفوع، وقديراً خبرها المنصوب الدال على كمال القدرة ومطلق التصرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من خلق الآفاق إلى خلق الأنفس: لما ذكر الله خلق البحرين والماء النازل من السماء لخدمة الإنسان، لفت الإنسان إلى أصل خلق نفسه من ماء مهين ليقر بالوحدانية؛ فالذي صنع هذا النظام البشري الاجتماعي الدقيق هو المستحق للعبادة وحده.
تلازم النسب والصهر: قرن الصهر بالنسب لبيان أن النسيج المجتمعي لا يستقر بالدم وحده، بل بتوسيع دوائر التعارف والمودة والتلاحم عبر المصاهرة الشرعية، محققاً قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على مادية النشوء والصدفة:
كيف يتأتى لماء مهين متشابه كيميائياً أن يتطور إلى مليارات البشر المتفاوتين في الأشكال، والألوان، والبصمات، والعقول، ثم ينقسمون بانتظام بالغ إلى ذكور وإناث تتطابق بيولوجياً لتنتج النسب والمصاهرة وتأسيس المجتمعات؟!
هذا الانتظام المتقن يستحيل صدوره عن مصادفات عمياء، بل هو برهان ساطع على تقدير الإله الحكيم العليم {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا}.
صيانة الأعراض وحرمة النسب: رد التوجيه القرآني على فوضى العلاقات الجاهلية والتحلل الغربي الحديث، بتأكيد أن النسل البشري لا ينتظم شرفه وكرامته إلا بالحفاظ على صفاء الأنساب وطهارة الأصهار.
براعة التقسيم وحصره: حصر علاقات المجتمع الإنساني برمتها في قسيمين محكمين: {نَسَبًا وَصِهْرًا}، وهو من جوامع الكلم القرآني الإعجازي.
تذييل الآية بـ {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا}: إشعار بأن هذا التحول العظيم من قطرة ماء لا حياة فيها إلى إنسان ناطق عاقل صانع للحضارة والوشائج، مظهر باهر من مظاهر القدرة الإلهية التي لا يعجزها بعث ولا نشور.
تدبر إضافة الربوبية إلى النبي {رَبُّكَ}: في هذا التذييل تثبيت وتكريم للنبي صلى الله عليه وسلم وإشعار بأن ربه القادر على ذلك قادر على نصره وإعزاز دينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صلة الأرحام ورعاية حقوق المصاهرة: المحافظة على حقوق الأقارب بالنسب والأصهار، وتجنب قطع الأرحام أو إهانة وشائج الزواج؛ فالصهر نعمة إلهية امتن الله بها.
ترسيخ مؤسسة الأسرة الشرعية: الدفاع عن الزواج الشرعي ضد دعوات الشذوذ والاختلاط المحرم؛ لأن الأسرة هي الحصن الوحيد لصيانة النسب البشري.
التواضع ومعرفة أصل الخلقة: تذكر الإنسان أصله من ماء مهين؛ ليدفعه ذلك إلى الخضوع لربه ونبذ الكبر والغرور على العباد.