بيّن الطبري (ج19، ص281)مصدر غير محدد١٩/٢٨١ بسنده أن الله سبحانه يتابع الثناء على نفسه بصفات الكمال ونفي النقائص التي نسبها إليه أهل الشرك والضلال، فقال: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي سلطانها وتدبيرها وتصريفها، {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} رداً على اليهود في قولهم: عزير ابن الله، والنصارى في قولهم: المسيح ابن الله، ومشركي العرب في زعمهم: الملائكة بنات الله، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} رداً على الثنوية والمجوس وعبدة الأوثان، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} أي خلق جميع الأعيان والمخلوقات فدبر أحوالها وهيأها لوظائفها بمقادير محكمة لا خلل فيها ولا تفاوت.
وقال ابن كثير: "نزه نفسه عن الولد والشريك، وبيّن أنه الخالق لكل شيء، المقدر لكل مخلوق قدره الذي لا يتعداه ولا يقصر عنه بحكمته الباهرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}: التقدير تهيئة الشيء على مقدار معين مناسب لحاجته وغايته، وتحديد أجله ورزقه وصفاته.
الإعراب:
{الَّذِي}: اسم موصول في محل رفع نعت ثان للفظ {الَّذِي} في الآية الأولى أو بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو الذي.
{لَهُ}: جار ومجرور خبر مقدم.
{مُلْكُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وهو مضاف، {السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور، {وَالْأَرْضِ}: معطوف، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}: ماض وفاعله مستتر ومفعول به ومضاف إليه.
{فَقَدَّرَهُ}: الفاء عاطفة، قدر ماض ومفعوله وفاعله مستتر.
{تَقْدِيرًا}: مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التأسيس العقدي التام في مطلع السورة! جاءت هذه الآية كبرهان عقلي ووجودي قاطع على الآية الأولى؛ فالذي يستحق أن ينزل الفرقان ويكون رسوله نذيراً للعالمين هو المالك المطلق للكون كله، المنزه عن الولد والشريك، الخالق المقدر لكل ذرة في الوجود.
النفي المزدوج المتكامل:
نفي الولد {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}؛ لأن اتخاذ الولد يدل على الحاجة للنسل ومشاكلة الجنس، والله هو الصمد الغني عن العالمين.
نفي الشريك {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ}؛ لأن وجود الشريك يوجب التنازع وفساد الكون.
التعقيب بالإثبات المطلق: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}؛ لتقرير أن ما سوى الله مخلوق مقدور، فكيف يعبد المخلوق أو يدعى شريكاً للبارئ؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان الإتقان والتقدير العقلي:
تقرر الآية برهان التقدير : كل مخلوق في هذا الكون - من الذرة والمجرة والخلية إلى مدارات الأفلاك وتوازن العناصر - مخلوق بمقادير رياضية وفيزيائية فائقة الدقة لا تحتمل العبث أو الصدفة العمياء؛ فلو زادت نسبة الأكسجين أو الجاذبية أو المسافة بين الأرض والشمس بقيد شعرة لاختلت الحياة برمتها؛ وهذا التقدير المحكم برهان يقيني على وحدانية الخالق وعلمه وحكمته المطلقة.