بيّن الطبري (ج19، ص296)مصدر غير محدد١٩/٢٩٦ أن الله تعالى يسلي نبيه صلى الله عليه وسلم ويعجب من جهل المشركين وضلالهم فقال: {انظُرْ}: يا محمد بعين بصيرتك وفكرك، {كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ}: "أي كيف شبهوا لك الأشباه وافتروا عليك الصفات؛ فقالوا تارة: ساحر، وتارة: مسحور، وتارة: كذاب، وتارة: شاعر، وتارة: معلم يعلمه بشر"، {فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا}: "أي فضلوا عن طريق الرشاد وعن المحجة البيضاء، فلا يستطيعون سبيلاً إلى منفذ ولا حجة يثبتون عليها، بل حاروا وتخبطوا في أودية الضلالة".
وقال ابن كثير: "أي انظر كيف شبهوك ومثلوك بأمور باطلة متناقضة... فضلوا عن الحق وبعدوا عنه، فما يهتدون إلى سبيل ولا يجدون مخرجاً مما هم فيه من التخبط والتناقض".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا}: الفاء عاطفة، لا نافية ويستطيعون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وسبيلاً مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع موقع هذا التعقيب الإلهي الحكيم! جاء كوقفة ميزانية ترفع الحرج والضيق عن صدر النبي صلى الله عليه وسلم بعد استعراض تلك الأقوال الوقحة والتعنتات الباطلة.
التعجيب من تناقضهم: من قال "ساحر" يناقض من قال "مسحور"؛ لأن الساحر يغلب عقول الآخرين، والمسحور مغلوب على عقله! ومن قال "أساطير اكتتبها" يناقض من قال "لا يعلم شيئاً وهو مسحور"؛ وهذا التناقض هو علامة الضلال والتيه.
التذييل بـ {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا}: حكم قرآني حاسم بانسداد سبل النجاة والحجة أمامهم، وإفلاسهم التام أمام سطوع الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك التناقض المنهجي عند خصوم الإسلام:
كشفت الآية قانوناً عقلياً مطرداً في كل مناوئي الوحي: وهو اضطراب الأوصاف وتناقض الدعاوى؛ فحين يعادي الإنسان الحق الواضح لا يستطيع أن يستقر على مبدأ أو شبهة متماسكة، فتجده تارة يصف الإسلام بالتخلف والرجعية، وتارة يصفه بالصرامة الزائدة، وتارة بالانتشار الساحق وتارة بالجمود؛ وهذا التخبط برهان على أن الخصم فاقد للسبيل وراكب لمركب الهوى الأعمى.