روى الطبري (19/305)مصدر غير محدد١٩/٣٠٥ عن قتادة ومجاهد والحسن: أي ومن رجع عن معاصي الله وذنوبه، وندم عليها، وعمل بما أمره الله به من صالح الأعمال، فإنه قد أناب إلى الله إنابة حقاً، ورجع إليه رجوعاً يرضاه ويقبله منه ويثيبه عليه.
قال ابن كثير (6/128)مصدر غير محدد٦/١٢٨: "إخبار عن كرم الله تعالى وحلمه ورحمته؛ بأن كل من تاب إليه توبة نصوحاً مصحوبة بعمل صالح فإنه يقبل توبته، ويتوب عليه مآباً كريماً ومتابعاً عظيماً، كما قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}".
قرر القرطبي (13/76)مصدر غير محدد١٣/٧٦: في هذه الآية تأكيد بعد تأكيد، وترغيب بعد ترغيب؛ لئلا يستعظم المذنب ذنبه فيقعد عن التوبة، فبين أن التوبة الخالصة المصحوبة بالعمل الصالح هي التوبة المقبولة المحمودة المآب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَن}: الواو استئنافية، "من" اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{تَابَ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{وَعَمِلَ صَالِحًا}: معطوف على تاب، صالحاً مفعول به أو نائب مفعول مطلق.
{فَإِنَّهُ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل اسمها.
{يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ}: يتوب فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، وإلى الله جار ومجرور متعلقان بـ "يتوب"، والجملة في محل رفع خبر "إن". وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ "من".
{مَتَابًا}: مفعول مطلق منصوب مؤكد للفعل "يتوب"، وهو مصدر ميمي بمعنى توبة ورجوعاً، وفيه دلالة على الكمال والتعظيم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من العام إلى الخاص ومن الجزاء إلى الصيرورة: الآية السابقة ذكرت التائبين من الشرك والقتل والزنا وجزاءهم بتبديل السيئات حسنات، ثم جاءت هذه الآية بقاعدة كلية عامة تشمل كل تائب من أي ذنب كان صغيراً أو كبيراً، لتقرر أن ثمرة توبته هي الرجوع الحقيقي إلى الله ونيل رضاه ومآبه الكريم.
ربط التوبة بالرجوع إلى الله ذاته: لم يقل هنا "فإنه يدخل الجنة"، بل قال: {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا}؛ ليرفع همة التائب من مجرد طلب النجاة من النار إلى نيل القرب من الله ذاته وإرضاء خالقه ومولاه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير شرط صحة التوبة (إقرانها بالعمل الصالح):
التوبة ليست مجرد تمنيات باطلة ولا كلمات تقال باللسان مع بقاء الجوارح في الغي؛ بل محك الصدق فيها هو العمل الصالح وتغيير السلوك والبيئة.
والآية ترد على المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان والتوبة مجرد تصديق ذهني لا يضره فساد العمل والتهاون في الفرائض؛ فالقرآن كرر هنا: {وَعَمِلَ صَالِحًا} لبيان أن العمل ركن لا ينفك عن كمال التوبة وصحتها.
التوكيد بالمصدر الميمي المنكر {مَتَابًا}: تنكير للتعظيم والتهويل، أي مآباً وأي مآب، وتوبة مقبولة مرضية رفيعة القدر عند الله.
الالتفات باسم الجلالة {إِلَى اللَّهِ}: فيه استحضار لعظمة الإله المعبود الذي تفضل بقبول هذا التائب ورعايته وضمه إلى حزب الصالحين بعد أن كان في حزب المعاندين.
تدبر عودة التائه: التوبة مأخوذة من الأوب والرجوع؛ فالمعصية خروج وغربة وشذوذ عن الفطرة، والتوبة عودة آمنة إلى كنف الرحمن ورحمته الواسعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إصلاح المسار بالعمل الدائم: على التائب ألا يكتفي بالبكاء والندم على ما مضى، بل يحول طاقته إلى إنجازات صالحة في ميادين العلم، والدعوة، والإنفاق، والخدمة المجتمعية.
حسن الظن بالله في قبول التوبة: اليقين بأن الله يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أشد من فرح الواجد لراحلته بعد الضياع في الصحراء المهلكة.
المتابعة والاستمرار: الحذر من نقض التوبة بالرجوع إلى الذنب، واللجوء الدائم إلى الله بطلب الثبات وحسن الخاتمة.