روى الطبري (ج19، ص303)مصدر غير محدد١٩/٣٠٣ بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: "إن جهنم لتضيق على الكافر كأضيق من زج الرمح في الأرض"، وفي قوله: {مُّقَرَّنِينَ} قال: "قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين في السلاسل".
وروى عن ابن عباس وقتادة والضحاك في قوله: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا}: قالوا: "الثبور هو الهلاك والدمار والويل؛ ينادون: يا ويلاه، يا هلاكاه، هلم يا هلاك فإنك أهون مما نحن فيه من العذاب".
وقال ابن كثير: "يصف تعالى حال الأشقياء حين يلقون في السعير، لا يلقون في سعة بل في مكان ضيق أشد الضيق، مقرنين مصفدين بالأصفاد، فينقطع رجاؤهم ويدعون بالهلاك ليستريحوا، وهيهات أن يستجاب لهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُّقَرَّنِينَ}: مشدودين ومجمعين؛ كل كافر مقرن مع قرينه من الشياطين أو مع إخوانه في الكفر، أو قرنت أيديهم وأرجلهم بالسلاسل إلى الأعناق.
{ثُبُورًا}: الهلاك والموت والدمار، ثَبَرَ يثبُر ثبوراً إذا هلك، ودعاء الثبور هو قولهم: يا ثبوراه، وهو نداء لما لا يعقل استغاثة بالموت.
الإعراب:
{وَإِذَا}: عاطفة، إذا ظرفية شرطية خافضة لشرطها متعلقة بجوابها.
{أُلْقُوا}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم والواو نائب فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة.
{مِنْهَا}: متعلق بألقوا أو بحال محذوفة.
{مَكَانًا}: ظرف مكان منصوب على الاتساع، أو مفعول به ثان لألقوا إن ضمن معنى صُيّروا.
{ضَيِّقًا}: نعت لمكاناً منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مُّقَرَّنِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{دَعَوْا}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة والواو فاعل، والجملة جواب الشرط لا محل لها.
{هُنَالِكَ}: اسم إشارة للظرف المكاني البعيد متعلق بدعوا، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{ثُبُورًا}: مفعول به لدعوا بحذف حرف النداء تقديره: يا ثبوراً، أو مفعول مطلق لفعل محذوف (ثبرنا ثبوراً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال والتدرج في المشهد الجنائزي للمجرمين!
الآية (12): الرؤية وسماع التغيظ والزفير من مكان بعيد في الفضاء المفتوح.
الآية (13): الإلقاء الحقيقي في قعر النار، مع انطباق الأماكن الضيقة عليهم وتكبيلهم بالأصفاد.
المقابلة النفسية بين استكبارهم في الدنيا واتساع قصورهم ومجالسهم، وبين حشرهم وإلقائهم في {مَكَانًا ضَيِّقًا} كالحربة المغروزة في الصخر؛ إذلالاً لكبريائهم وسحقاً لعنفوانهم.
التعبير بـ {أُلْقُوا}: كأنهم نفاية قذرة وحجارة حقيرة تطرح في مهاوي الجحيم بلا اكتراث.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجواب العقلي والقرآني: في الدنيا يفر الإنسان من الهلاك والموت بكل وسيلة؛ لأن الحياة أغلى ما يملك؛ أما في جهنم فإن هول العذاب وضيق المكان وتراكم السلاسل يجعل الموت والعدم التام أسمى أمانيهم وأعظم أحلامهم؛ كما قال تعالى: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}؛ فينادي بالهلاك ليفنيه ويخلصه من العذاب المستمر، ولكن العذاب خالد أبدي لا موت فيه ولا خلاص.