روى الطبري (ج19، ص369)مصدر غير محدد١٩/٣٦٩ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}: "قال: الرياح المبشرات بالغيث والسحاب، ورحمته: هي المطر والغيث الذي يحيي به الأرض بعد موتها".
وقرأ عاصم برواية حفص: {بُشْرًا} بضم الباء وسكون الشين تخفيفاً لـ (بُشُراً) جمع بَشِير، وقرأ حمزة والكسائي: {نَشْرًا} بفتح النون وسكون الشين من النَّشْر وهو الإحياء ونشر السحاب، وقرأ ابن كثير: {نُشْرًا} بضم النون.
وقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} روى أصحاب السنن وأحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء".
وقال ابن كثير: "الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره؛ فالماء طاهر مطهر يزيل الأحداث والخبائث وينزل عذباً فراتاً مباركاً من السماء رحمة بالخلق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بُشْرًا}: جمع بشير، أو مصدر في موضع الحال أي مبشرات بالخير والفرج.
{بَيْنَ يَدَيْ}: مجاز وكناية عن التقدم والقدوم أمامه؛ فالرياح تسبق نزول المطر وتهيء الأجواء له.
{طَهُورًا}: صيغة مبالغة على وزن فَعُول، في لغة العرب يطلق على ما يتكرر منه الفعل أو ما بلغ الغاية في الطهارة كالوَرُود والغَسُول والسَّحُور؛ فالطهور هو الطاهر في ذاته المطهر لغيره.
الإعراب:
{وَهُوَ}: الواو عاطفة، هو مبتدأ.
{الَّذِي}: خبر المبتدأ والجملة صلة الموصول.
{أَرْسَلَ}: ماض وفاعله مستتر.
{الرِّيَاحَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{بُشْرًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
{بَيْنَ}: ظرف مكان منصوب وهو مضاف، متعلق ببشراً أو بحال، و{يَدَيْ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التسلسل الإحيائي في معارض القدرة!
الظل والشمس (آية 45 - 46).
الليل والنهار والنوم (آية 47).
الرياح والمطر الطهور وإحياء الأرض (آية 48 - 49).
التعبير بـ {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}: تصوير استعاري بديع يجعل المطر ملكاً كريماً يفيض بالرحمة، والرياح طلائع وجنود مبشرة تتقدم موكبه فتنشر الفرح في نفوس الخلائق بعد اليأس والجدب.
الالتفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة: {وَأَنزَلْنَا}: لإبراز الفضل المباشر والامتنان العظيم بإنزال الماء الذي هو أصل الحياة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الدلالة الفقهية العظمى للفظ {طَهُورًا}:
استدل جمهور الفقهاء (مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة) بهذه الآية على أن ماء المطر وماء السماء طهور يرفع الأحداث ويزيل النجاسات؛ فـ (فَعُول) في كلام العرب ليست مجرد طاهر (كالثوب الطاهر الذي لا يطهر غيره)، بل هي اسم لما يتطهر به؛ كالسَّحور لما يتسحر به والوَضوء لما يتوضأ به؛ فدل النص القاطع على أن الماء هو الأصل الوحيد في التطهير الشرعي للأبدان والثياب والبقاع.