روى الطبري (19/295)مصدر غير محدد١٩/٢٩٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: {لَمْ يُسْرِفُوا} لم ينفقوا في معاصي الله ولا فيما لا ينبغي زيادة على الحاجة، {وَلَمْ يَقْتُرُوا} لم يضيقوا في حقوق الله والواجبات الشرعية فيمنعوها شحاً وبخلاً، {وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا} أي وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار عدلاً وسطاً قويماً؛ لا إسراف ولا تقتير، وخير الأمور أوساطها.
قال ابن كثير (6/124)مصدر غير محدد٦/١٢٤: "أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم وأنفسهم ومصالحهم فيقصرون في حق الله والواجب، ولكن عدلاً خياراً؛ كما قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}".
القراءات في {يَقْتُرُوا}: قرأ نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم: {يَقْتُرُوا} بضم الياء وكسر التاء (يُقْتِرُوا من أقتر الرباعي)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {يَقْتُرُوا} بفتح الياء وكسر التاء (يَقْتِرُوا من قَتَرَ الثلاثي)، وقرأ حمزة والكسائي وحفص: {يَقْتُرُوا} بفتح الياء وضم التاء؛ وكلها لغات فصيحة متظاهرة على معنى التضييق والبخل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: معطوف على الموصول في محل رفع.
{إِذَا أَنفَقُوا}: ظرف زمان وجملة الشرط، أنفقوا فعل ماض والواو فاعل. والإنفاق: إخراج المال وبذله.
{لَمْ يُسْرِفُوا}: لم حرف نفي وجزم وقلب، يسرفوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل. والإسراف: مجاوزة الحد والاعتدال في كل شيء وخاصة في بذل المال.
{وَكَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من الفعل.
{بَيْنَ ذَٰلِكَ}: ظرف مكان متعلق بـ "قواماً" أو بحال محذوفة، و"ذلك" مضاف إليه، والإشارة إلى الإسراف والإقتار المذكورين.
{قَوَامًا}: خبر كان منصوب بالفتحة؛ والقَوام (بفتح القاف) هو العدل والاستقامة والوسط بين الإفراط والتفريط، أما القِوام (بكسر القاف) فهو ما يقام به الشيء ويعاش به من القوت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توازن المنهج الإسلامي بين العبادة والمعاملات المالية: بعد أن رسمت الآيات السابقة صورة عابدي الليل الخاشعين الباكين خوفاً من النار، جاءت هذه الآية لتؤكد أن تدينهم ليس دروشة منعزلة عن الحياة، بل يتجلى في ضبط حركة المال وترشيد الاستهلاك وإدارة الموارد بعدل وحكمة.
التناسب مع اسم "الرحمن": رحمة الرحمن تقتضي استدامة نعمائه على العباد؛ والإسراف يتلف المال ويزيل النعم، والبخل يضيق المعايش ويورث الأحقاد، فكان القوام هو عين الرحمة بالمال والنفس والمجتمع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير المعيار الشرعي والاقتصادي للإسراف والإقتار:
الإسراف في الشريعة له بعدان:
بعد نوعي: إنفاق أي مبلغ ولو فلساً واحداً في حرام ومعصية فهو إسراف وتبذير محرم بإجماع الأمة.
بعد كمي: مجاوزة القدر المعقول في المباحات بما يضر بالمال أو يجر إلى الترف والبطر والتفريط في المستقبل.
والإقتار كذلك: تضييق النفقة الواجبة على الأهل والنفس أو البخل بالحقوق الشرعية والزكوات؛ فالقوام منهج متوازن يضمن الرخاء الاقتصادي دون تضخم استهلاكي أو انكماش شحيح.
الرد على الرأسمالية الاستهلاكية والشيوعية الجائرة:
الآية تؤسس للنظرية الاقتصادية الإسلامية القائمة على الملكية الفردية المنضبطة بمسؤولية الاعتدال الاجتماعي، مباينة لجشع الرأسمالية التي تشجع الترف والاستهلاك البذخي، وللقهر الشيوعي الذي يصادر المال ويضيق على الحريات المشروعة.
المقابلة المتوازنة: بين {لَمْ يُسْرِفُوا} و{وَلَمْ يَقْتُرُوا}، يعقبها الجمع بينهما في نقطة التوازن المطلق: {وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}.
الإشارة بـ {ذَٰلِكَ}: اسم إشارة للبعيد يشير إلى طرفي النقيض المذمومين (الإسراف والإقتار)؛ للإيحاء بأن عباد الرحمن ينؤون بأنفسهم عن الاقتراب من هذين المنزلقين.
تدبر الاستقامة المالية: القوام مشتق من الاستقامة والاعتدال؛ فاستقامة الجيب والميزانية جزء لا يتجزأ من استقامة الدين والأخلاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترشيد الاستهلاك الأسري والمجتمعي: تربية الأسر والأبناء على القناعة وحسن تدبير النفقات، ومحاربة مظاهر البذخ والفشخرة في الولائم والحفلات والمقتنيات.
التوازن بين البذل والادخار: الإنفاق بسخاء في وجوه الخير والواجبات الشرعية دون إفقار للنفس والورثة، مع ترك البخل المذموم.
شكر النعمة بحسن رعايتها: إدراك أن المال مال الله والإنسان مستخلف فيه ومسؤول عن وجهتي كسبه وإنفاقه: من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟!