بيّن الطبري في جامع البيان (ج19، ص300)مصدر غير محدد١٩/٣٠٠ أن هذا إضراب انتقالي من الله تعالى يكشف الباعث الحقيقي وراء تعنت المشركين في اقتراحاتهم وشبهاتهم السابقة؛ فقال: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} أي ليس قصدهم طلب البرهان ولا عجزت عقولهم عن فهم صدق الرسول، ولكن الحامل الحقيقي لهم على هذا اللجاج والتكذيب هو إنكارهم للبعث والقيامة والحساب بعد الموت.
وقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} أي أعددنا وهيأنا لمن كذب بالقيامة ناراً مسعرة متقدة تتلظى، لا يطفأ لهيبها ولا يخفف عذابها.
وقال ابن كثير: "أي إنما قالوا ما قالوا من الكفر والعناد لأنهم مكذبون بالمعاد، فإذا كانوا لا يرجون لقاء الله ولا يخافون عقابه هان عليهم رد الحق واختلاق الأباطيل، وقد أعد الله لهم نكالا وجحيما مستعرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَلْ}: حرف إضراب إبطالي وانتقالي يفيد إبطال ما تقدم من شبهاتهم وبيان السبب الحقيقي لها.
{أَعْتَدْنَا}: أعددنا وهيأنا، مأخوذ من العَتَاد وهو الشيء الحاضر المهيأ.
{سَعِيرًا}: السعير فعيل بمعنى مفعول أو فاعل من سَعَرَ النار إذا أوقدها وأججها، وهي النار شديدة الاشتعال والتوقد.
الإعراب:
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال مبني على السكون.
{كَذَّبُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{بِالسَّاعَةِ}: جار ومجرور متعلق بكذبوا.
{وَأَعْتَدْنَا}: الواو عاطفة، أعتدنا ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{لِمَن}: اللام حرف جر، من اسم موصول مبني في محل جر متعلق بأعتدنا.
{كَذَّبَ}: ماض وفاعله مستتر.
{بِالسَّاعَةِ}: متعلق بكذب، والجملة صلة من.
{سَعِيرًا}: مفعول به لأعتدنا منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا التشخيص القرآني للجذور النفسية للكفر! فبعد أن استعرض القرآن شبهاتهم حول القرآن (إفك، أساطير) وحول الرسول (يأكل الطعام، يمشي في الأسواق، عدم وجود كنز أو جنة)، أضرب عن كل تلك المطالب بحرف {بَلْ}؛ ليعلن أن المشكلة ليست في نقص الأدلة، بل في مرض التكذيب بالآخرة.
تكرار لفظ {بِالسَّاعَةِ} بالاسم الظاهر دون الإضمار: لتهويل أمرها وتفخيم شأنها والتشديد على شناعة التكذيب بها.
التعبير بالفعل الماضي {أَعْتَدْنَا}: لتحقق الوقوع وتقرير أن جهنم مهيأة مخلوقة الآن تنتظر أهلها لا محالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط بين إنكار المعاد والانحراف السلوكي:
تحليل نفسي وعقلي عميق: من كذب باليوم الآخر فقد كل وازع أخلاقي داخلي؛ فالذي لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً يسهل عليه الكذب، والظلم، والمكابرة، والاستكبار عن اتباع الحق؛ ولذلك كان الإيمان باليوم الآخر الركيزة الأساسية لسلامة الفطرة واستقامة السلوك البشري، وبانهياره تنهار القيم وتتحول النفوس إلى مستنقع للشهوات والتمرد.
الإضراب بـ {بَلْ}: نقلة فكرية خاطفة تقتلع تمويهات المشركين وتبصر القارئ بحقيقة المعركة بين الإيمان والكفر.
تنكير {سَعِيرًا}: للتهويل والفظاعة؛ أي ناراً عظيمة سعرت سعراً لا يبلغه الوصف ولا تقوى عليه الأجساد.
تدبر الاستعداد والتهيئة: أن الله أعد السعير لمن كذب بالساعة، بالمقابل أعد الجنة للمتقين، فكل عبد يسعى لما أعد له بعمله واختياره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تشخيص الداء الحقيقي للمدعو: أن يركز الداعية على ترسيخ عقيدة البعث والجزاء؛ فإن صلحت صلح سائر الإيمان، وإن فسدت لم تنفع كثرة الجدال حول الشبهات الفرعية.
استحضار هول السعير: تذكر لهيب النار لإيقاظ القلوب الغافلة وحثها على سرعة التوبة والفرار إلى الله.
اليقين بحتمية الساعة: العمل الدائم والاستعداد للقاء الله؛ فالساعة آتية لا ريب فيها.