روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص340)مصدر غير محدد١٩/٣٤٠ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}: "يقول الله مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لما شكى هجران قومه وتكذيبهم: كما جعلنا لك أعداء من مجرمي قومك يكذبونك ويعادونك، كذلك جعلنا لكل نبي من قبلك أعداء من كبراء مجرمي قومهم حاربوا دعوتهم؛ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا يحزنك صنيعهم".
وقوله: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} قال قتادة ومجاهد: "هادياً يهديك ويهدي بك من اتبعك إلى الحق، ونصيراً ينصرك على أعدائك ويظفرك بهم في الدنيا والآخرة".
وقال ابن كثير: "تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن عداوة المجرمين سنة ماضية في طريق النبوات، وأن معونة الله وهدايته ونصرته كافية له؛ فمن كان الله هاديه لم يضل، ومن كان الله نصيره لم يغلب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، ذا اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف نعت لمصدر محذوف (جعلاً كائناً كذلك الجعل).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذا البلسم الإلهي المسلي لقلب النبي صلى الله عليه وسلم! فبعد أن رفع شكواه الحارقة في الآية السابقة: {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}، تنزل الجواب الرباني فوراً ليطيب خاطره ويعلمه أنه ليس وحده في هذا الميدان.
تقرير ناموس الصراع وسنة التدافع: {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}؛ فالصراع بين الحق والباطل ليس طارئاً ولا عارضاً، بل هو سنة كونية حتمية لتمحيص الصادقين ورفع درجات المرسلين.
التوكيد بكفاية الربوبية: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}؛ جمع بين صفتين عظيمتين: الهداية لدفع شبهات وضلالات الأعداء، والنصرة لدفع قوتهم وكيدهم؛ فحصل له كمال العلم وكمال القدرة بحفظ ربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة وجود أعداء للأنبياء والمصلحين:
برهان عقلي وسنني: لو آمن الناس جميعاً بالأنبياء طوعاً دون معارضة لتعطلت معاني الجهاد، والصبر، والتوكل، وافتقار القلوب، ولما تميز الصادق من المنافق؛ فجعل الله المجرمين فتنة للأنبياء والأنبياء فتنة لهم؛ لتتحقق حكمة الابتلاء وتظهر عزة الحق بنصر الله لعباده الضعفاء على الطغاة المتجبرين.