بيّن الطبري (ج19، ص306)مصدر غير محدد١٩/٣٠٦ أن الله سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمحاكمة عقول هؤلاء المكذبين بالمقابلة الصريحة بين المصيرين، فقال: {قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ}: أي أذلك العذاب الذي وصفته لكم من السعير والتغيظ والمكان الضيق والدعاء بالثبور خير، {أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}: الذين اتقوا ربهم في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب معاصيه وتصديق رسله؟
وقوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} قال ابن عباس وقتادة: "كانت الجنة في علم الله وقضائه المسبق جزاءً لأعمالهم الصالحة في الدنيا، ومصيراً ينتهون إليه في الآخرة فيخلدون فيه أبداً".
وقال ابن كثير: "استفهام تقرير وتوبيخ وتنبيه للعقول؛ فإنه لا خير في عذاب النار مطلقاً، وإنما جرى اللفظ مجرى محاكمة البلغاء لخصومهم لإلزامهم بالحجة وإظهار تفاوت الحالتين تفاوتاً لا يخفى على عاقل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَذَٰلِكَ خَيْرٌ}: الاستفهام للتقرير والتوبيخ والتحكيم العقلي، ولا يراد به المفاضلة الحقيقية لوجود الخير في الطرفين، بل هو من باب قول الشاعر: فشركما لخيركما الفداء!
{جَنَّةُ الْخُلْدِ}: الخلد هو البقاء الدائم الذي لا يعتريه فناء ولا انقطاع، وإضافة الجنة إلى الخلد للدلالة على ثبوت نعيمها واستمراره.
الإعراب:
{قُلْ}: فعل أمر وفاعله مستتر.
{أَذَٰلِكَ}: الهمزة للاستفهام التقريعي، ذا اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَمْ}: حرف عطف معادلة للهمزة.
{جَنَّةُ}: معطوف على اسم الإشارة مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْخُلْدِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{الَّتِي}: اسم موصول مبني في محل رفع نعت لجنة.
{وُعِدَ}: فعل ماض مبني للمجهول.
{الْمُتَّقُونَ}: نائب فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والمفعول الثاني محذوف تقديره إياها، والجملة صلة الموصول.
{كَانَتْ}: فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر يعود على الجنة.
{لَهُمْ}: متعلق بجزاء.
{جَزَاءً}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَمَصِيرًا}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
روعة المقابلة القرآنية الفاصلة بين دار البوار ودار القرار:
دار الأشقياء: سعير، تغيظ، زفير، مكان ضيق، تقرين، دعاء بالثبور.
دار الأتقياء: جنة الخلد، وعد متيقن، جزاء وفاق، مصير كريم إلى رضوان الله.
التعبير بـ {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا}: بالفعل الماضي الدال على الثبوت والتحقق في قضاء الله الأزلي ووعده الصادق الذي لا يتخلف.
تخصيص الوعد بـ {الْمُتَّقُونَ}: لبيان أن مفتاح تلك الجنة هو التقوى؛ فالجنة ليست بالتمني الأجوف، بل بحراسة النفس من الشرك والمعاصي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على إشكال التفضيل في قوله {أَذَٰلِكَ خَيْرٌ}:
الإشكال: صيغة التفضيل (أفعل) تقتضي اشتراك الطرفين في أصل الوصف مع زيادة أحدهما، وعذاب جهنم لا خير فيه البتة، فكيف يقال: أذلك خير أم الجنة؟
الجواب البلاغي والعقلي الحاسم:
أسلوب التفضيل هنا جرى على سنن العرب في محاكمة الخصم وتبكيته؛ كقولك للأحمق الذي يرمي نفسه في التهلكة: "أالنجاة والسلامة خير لك أم الهلاك؟!"، فليس المقصد إثبات خير في الهلاك، بل إبراز الفارق الساحق ليرجع العاقل إلى رشده.
وقيل: التفضيل وارد على زعم الكفار الذين كانوا يرون دنياهم وعنادهم خيراً من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أذلك المآل الناتج عن عنادكم خير أم الجنة؟!