روى الطبري (ج19، ص294)مصدر غير محدد١٩/٢٩٤ بسنده عن ابن عباس وقتادة أن كفار مكة تابعوا مطالبهم المتعنتة وشروطهم المادية الباطلة فقالوا: إن لم ينزل معك ملك يصدقك، فهل يلقى إليك من السماء كنز من ذهب وفضة تستغني به عن المشي في الأسواق والتكسب؟ أو تكون لك جنة وبستان عظيم تأكل منه وتعيش من ثماره؟
وقرأ حمزة والكسائي: {نَأْكُلُ مِنْهَا} بالنون، أي نأكل نحن وأنت منها، وقرأ الباقون: {يَأْكُلُ مِنْهَا} بالياء أي يأكل هو منها.
وقوله: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا} قال ابن كثير: "تدرجوا في كفرهم فزعموا بعد هذه المطالب التعنتية أن النبي صلى الله عليه وسلم رجل أصابه السحر فخبل عقله، وهو بريء من ذلك كله صلوات الله وسلامه عليه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُلْقَىٰ}: ينزل عليه دفعة واحدة من علو كأنه هبة سماوية مباغتة.
{جَنَّةٌ}: بستان عظيم ملتف الأشجار يستر ما بداخله لشدة خضرته وكثافته.
{مَّسْحُورًا}: اسم مفعول من سَحَرَ، أي سُحر حتى زال عقله وتغير كلامه، وقيل: ذا سَحْر (بفتح السين وسكون الحاء) أي ذو رئة يتنفس ويأكل ويشرب كالبشر.
الإعراب:
{أَوْ يُلْقَىٰ}: أو عاطفة، يلقى مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف.
{إِلَيْهِ}: متعلق بيلقى.
{كَنزٌ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ}: عاطفة، ومضارع ناقص وله خبرها وجنة اسمها المؤخر.
{يَأْكُلُ مِنْهَا}: مضارع وفاعله ومجروره، والجملة في محل رفع نعت لجنة.
{وَقَالَ الظَّالِمُونَ}: فعل وفاعل مرفوع بالواو.
{إِن تَتَّبِعُونَ}: إن نافية بمعنى ما، تتبعون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{رَجُلًا}: مفعول به لتتبعون منصوب بالفتحة.
{مَّسْحُورًا}: نعت لرجل منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تنزلوا فطلبوا غنى زراعياً محلياً: جنة يأكل منها كبساتين الطائف.
فلما علموا عجز مطالبهم وإعراض النبي عن مساومتهم، قذفوا كلمتهم المسمومة الأخيرة: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا}.
إطلاق وصف {الظَّالِمُونَ} عليهم بدلاً من ضميرهم: تسجيل لجريمتهم وبغيهم وتعديهم على مقام الصادق الأمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد مقاييس الثروة في تقييم الرسالات:
ناقش القرآن الخلل المنهجي في تفكير أهل الجاهلية: إنهم يربطون الحق بالثروة والكنوز والبساتين، ويظنون أن ميزان القرب من الله هو الوفرة المادية؛ وهذا ضلال عقلي مبين؛ فالأموال يعطيها الله لمن يحب ولمن لا يحب استدراجاً وابتلاء، أما النبوة والوحي فهداية روحية وتشريع إلهي لا يوزن بالذهب والفضة، ولو جاء النبي بالكنوز لقالوا: ما اتبعناه إلا طمعاً في ماله! فجاء فقيراً صابراً ليميز المخلصين من طلاب الدنيا.
استخدام حرف العطف {أَوْ} مرتين: يصور التخبط والاضطراب النفسي؛ يطرحون اقتراحاً ثم يقفزون إلى غيره تعنتاً وتهرباً من استحقاق الإيمان.
البناء للمجهول في {يُلْقَىٰ}: للدلالة على طلب الإعجاز السحري المفاجئ الذي يلبي نزواتهم الحسية.
تدبر افتراء تهمة السحر: وسيلة الضعفاء المفلسين حين تحاصرهم الحجة؛ فإذا لم يجدوا ثغرة في شريعته وأخلاقه قالوا: "رجل مسحور"، لتنفير العامة من سماع كلامه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعلاء بالإيمان على المقاييس المادية: ألا يزن الداعية والمؤمن الناس بأموالهم ومقتنياتهم، بل بتقواهم والتزامهم بالحق.
الصبر على الطعن في العقل والشخصية: التوطين النفسي للدعاة على احتمال تهم الجنون والرجعية والسحر من قبل الخصوم.
الزهد في حطام الدنيا: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي عُرضت عليه جبال مكة ذهباً فأبى، وقال: "بل أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر".