روى الطبري (19/285)مصدر غير محدد١٩/٢٨٥ عن قتادة: "أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه ويفوض أمره إليه؛ فإنه الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، وكل مَن سواه يموت ويبيد، وأن يسبح بحمده وينزهه عن الشركاء والنداد".
قال ابن كثير (6/118)مصدر غير محدد٦/١١٨: "{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} أي في جميع أمورك، وكن معتمداً عليه وحده؛ فإنه الباقي الأحد الصمد الدائم الحقيقي، وكل حي سواه ميت، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} أي اقرن تسبيحه وتنزيهه بحمده والثناء عليه؛ وقوله: {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} أي بعلمه التام المحيط لا يخفى عليه من أفعالهم خافية، وسيجازيهم عليها بعدله وفضله".
قرر القرطبي (13/62)مصدر غير محدد١٣/٦٢: من توكل على ميت أو مخلوق ضاع؛ لأن الميت يبيد والحي المخلوق يزول ويعجز، أما التوكل على الحي القيوم الذي لا يموت فهو العروة الوثقى التي لا انفصام لها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَتَوَكَّلْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، توكل فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت. والتوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير وتفويض الأمر إليه مع الأخذ بالأسباب.
{عَلَى الْحَيِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ "توكل". والحي اسم من أسماء الله الحسنى دال على الحياة الكاملة الأزلية الأبدية التي لا تلحقها سنة ولا نوم ولا زوال.
{الَّذِي لَا يَمُوتُ}: "الذي" نعت لـ "الحي"، "لا" نافية، "يموت" فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول مؤكدة لصفة الحياة الحقيقية المطلقة.
{وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}: الواو عاطفة، سبح فعل أمر، بحمده الباء للملابسة والمصاحبة، أي سبحه متلبساً بحمده، أو للاستعانة.
{وَكَفَىٰ بِهِ}: كفى فعل ماض مبني على فتح مقدر، الباء حرف جر زائد لتأكيد الفاعلية، والهاء ضمير متصل في محل رفع فاعل محلاً.
{بِذُنُوبِ عِبَادِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "خبيراً".
{خَبِيرًا}: تمييز منصوب، أو حال منصوبة. والخبير: العليم بدقائق الأمور وبواطنها وظواهرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
السند الأعظم بعد قطع الطمع في الناس: لما أمره الله بالتبرؤ من أموال الناس وأجورهم في الآية السابقة: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}، وأمره بمجاهدتهم بالقرآن، كان لا بد للمجاهد الصادق من سند ركين وركن شديد يأوي إليه؛ فأمره بالاعتماد الكلي على الله الحي الذي لا يموت.
اقتران التسبيح بالحمد: التنزيه عن النقائص مقروناً بإثبات صفات الكمال والجمال؛ فلا يكمل التعظيم إلا بالجمع بين النفي والإثبات.
التذييل بالخبرة بذنوب العباد: تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد لأعدائه؛ فالله مطلع على مكرهم وذنوبهم وسيجازيهم، فلا داعي للحزن ولا لطلب الانتقام العاجل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان التوكل على المخلوقين:
محاكمة عقلية صارمة تسقط كل تعلق بغير الله؛ فكل مخلوق مآله إلى الموت والفناء، أو إلى العجز والضعف؛ فكيف يعلق العاقل مصيره وحاجاته بمن لا يملك لنفسه حياة ولا موتاً ولا نشوراً؟!
التوكل الصحيح عقلاً لا يكون إلا على واجب الوجود، الغني بذاته، الدائم بحياته، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب:
بيّن المحققون من علماء السنة أن الأمر بالتوكل جاء معطوفاً على الأمر بالجهاد بالقرآن والتبليغ؛ مما يثبت أن التوكل عمل قلبي محله التفويض إلى الله، ولا يصح إلا مع بذل أقصى الجهد في الأسباب المشروعة، والقعود عن الأسباب تواكل مذموم وعجز يخالف الشرع والعقل.