روى الطبري (ج19، ص337)مصدر غير محدد١٩/٣٣٧ بسنده عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي}: "الذكر هنا هو القرآن العظيم ورسالة الإسلام وموعظة النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي لقد صرفني ذلك الخليل الفاسق عن اتباع القرآن والإيمان به بعد أن بلغني وسمعته وقامت عليّ حجته".
وفي قوله: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}: قال ابن عباس وقتادة: "الخذول هو الذي يغري بالشر ويقود إليه، ويزين الباطل ويعد بالباطل، فإذا وقع الإنسان في الشدة والبلاء والبؤس تبرأ منه وأسلمه وخذله في أشد ساعات حاجته".
وبيّن ابن كثير أن هذا إما أن يكون من تمام كلام الظالم وهو يندب حظه ويعترف بخذلان شيطانه له، أو هو تعقيب إلهي مستأنف يقرر سنة الشيطان الملازمة في خذلان أوليائه؛ كما قال الشيطان لما قضي الأمر: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَذُولًا}: صيغة مبالغة على وزن فَعُول من الخَذْل، وهو ترك المعونة والنصرة عند مسيس الحاجة وإسلام المرء للمهالك.
الإعراب:
{لَّقَدْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{أَضَلَّنِي}: أضل ماض والنون للوقاية والياء مفعول به، والفاعل مستتر يعود على فلان أو الشيطان.
{عَنِ الذِّكْرِ}: متعلق بأضلني.
{بَعْدَ}: ظرف زمان منصوب وهو مضاف.
{إِذْ}: اسم ظرفي مبني في محل جر مضاف إليه.
{جَاءَنِي}: ماض ومفعوله وفاعله مستتر يعود على الذكر، والجملة صلة إذ أو مضاف إليها.
{وَكَانَ}: الواو استئنافية، كان ماض ناقص.
{الشَّيْطَانُ}: اسم كان مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِلْإِنسَانِ}: متعلق بخذولاً.
{خَذُولًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج لاعتراف الظالم بخطيئته الكبرى: لم يكن ضلاله ناشئاً عن جهل بالرسالة أو عدم بلوغ الذكر، بل {بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي}؛ مما يضاعف الجرم ويغلظ العقوبة لكونه أعرض عن بصيرة وعلم.
التذييل القرآني الحاسم: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}؛ لكشف الحقيقة الأبدية للصراع؛ فكل متبع للشيطان (سواء كان شيطان إنس كالصديق الفاسق أو شيطان جن) فإن مصيره المحتوم هو الخذلان والتخلي عند أول نزول للبلاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مضاعفة العقوبة لمن أعرض بعد قيام الحجة:
تقرر الآية قاعدة أصولية وعقلية: الضلال بعد وصول الذكر ووضوح البرهان أشنع بمراحل من الضلال الناتج عن الجهل والفتور؛ لأن من بلغه الذكر وجاءه القرآن فقد أقيمت عليه حجة الله البالغة، فإن استجاب لقرين سوء وتخلى عن الحق صار معانداً مستكبراً مستحقاً للعذاب الأليم والخزي الخالد.