روى الطبري (ج19، ص365)مصدر غير محدد١٩/٣٦٥ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا}: "أي ثم قبضنا ذلك الظل بعد مده وبسطه قبضا يسيراً تدريجياً مع ارتفاع الشمس وصعودها في كبد السماء، جزءاً فجزءاً، وقبضاً خفيفاً غير مفاجئ؛ حتى ينتهي إلى أقصى نقصانه عند الزوال، ثم يعود فيمتد مع انحدارها نحو الغروب".
وقال ابن كثير: "أي قبضاً خفياً قليلاً قليلاً؛ فكلما ارتفعت الشمس نقص الظل بقدر ارتفاعها، بلطف ورفق وتدريج، ولو شاء لقبضه دفعة واحدة فاختلت معايش الناس، ولكنه سبحانه يقبضه قبضا يسيراً بحكمته ورحمته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَبَضْنَاهُ}: القبض خلاف البسط والمد، وهو أخذ الشيء وتقليصه وجمعه بعد تفرقه.
{يَسِيرًا}: سهلاً خفيفاً يسيراً متدرجاً رفيقاً، لا طفرة فيه ولا مباغتة.
الإعراب:
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي في الزمان والرتبة.
{قَبَضْنَاهُ}: قبض ماض مبني على السكون ونا فاعل والهاء مفعول به يعود على الظل.
{إِلَيْنَا}: جار ومجرور متعلق بقبضناه، والرجوع إلى الله لبيان أنه بتصرفه وسلطانه.
{قَبْضًا}: مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة الظاهرة.
{يَسِيرًا}: نعت لقبضاً منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذه الحركة النظمية المنسابة مع انسياب الطبيعة!
في الآية السابقة: {مَدَّ الظِّلَّ} (البسط والنشر).
في هذه الآية: {قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} (التقليص والجمع التدريجي الرفيق).
التعبير بـ {إِلَيْنَا}: تشريف وإسناد مباشر للقبض إلى ساحة العظمة الإلهية؛ ليعلم الإنسان أن هذه الحركة الهادئة غير المحسوسة إنما تجري بيد القدرة الربانية التي تمسك السماوات والأرض.
التوكيد بالمصدر ووصفه بـ {يَسِيرًا}: للدلالة على سهولته التامة على قدرة الله، وتدرجه اللطيف غير العنيف على مشاعر العباد ونظام حياتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التدرج واليسر في حركة الأفلاك والظلال:
المحاكمة العقلية الفيزيائية: لو كان قبض الظل ومجيء الضوء يقع فجأة وبطفرة خاطفة لعميت الأبصار واضطربت الأجهزة العصبية للكائنات واختلت الدورة البيولوجية للنبات والحيوان؛ فاقتضت رحمة الخالق ولطيف صنعه أن يقبض الظل "قبضاً يسيراً" بالمليمتر والدقائق، بما يتيح للكائنات التكيف التدريجي مع الضوء والحرارة؛ وهذا برهان ساطع على لطف الصانع الخبير.
المقابلة البديعة: بين المد الواسع المريح والقبض اليسير المتدرج.
الإشارة الروحية في {إِلَيْنَا}: كل ما في الكون مقبوض إلى الله؛ الأرواح تقبض إليه، والأرزاق، والظلال، وحركات الأفلاك؛ فكل متحرك وساكن مآله ومرجعه إلى الواحد القهار.
تدبر التغير الهادئ: أعظم التغييرات الكونية والنفسية تجري في هدوء وصمت دون ضجيج؛ فالشمس تشرق والظل يتقلص وأعمارنا تنقص مع كل دقيقة قبضاً يسيراً ونحن لا نشعر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدرب على الرفق والتدرج: الاقتداء بالسنة الإلهية في إدارة شؤون الحياة والدعوة؛ فالتدرج واليسر هو هدي القرآن.
تذكر قبض الأرواح والأعمار: استشعار أن مرور الظلال ونقصانها رمز لانقضاء أعمارنا يوماً بعد يوم؛ فالعاقل من استعد لليوم الذي تقبض فيه روحه إلى ربه.
السكينة والاطمئنان لمعية الله: استشعار رعاية الله الخفية التي تدبر أدق تفاصيل النور والظل في كل لحظة.