روى البخاري في صحيحه (حديث رقم 4760)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٦٠ ومسلم (حديث رقم 2806)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٦ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رجلاً قال: يا نبي الله، كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟! قال قتادة: بلى وعزة ربنا!".
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك".
وقال ابن كثير في تفسيره: "هذا إخبار عن سوء منقلب هؤلاء المكذبين يوم القيامة وخزيهم وفضيحتهم؛ حيث يسحبون ويحشرون إلى جهنم على وجوههم، وأولئك هم شر الناس مكاناً وأضلهم طريقاً وسبيلاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُحْشَرُونَ}: الحشر الجمع والسوق بقهر وغلظة.
{عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}: منكسين؛ رءوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى أعلى، يسحبون ويمشون على وجوههم إذلالاً لكبريائهم.
{أَضَلُّ سَبِيلًا}: أشد ضياعاً وتيهاً وبعداً عن الصراط المستقيم.
الإعراب:
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو بدل من الكافرين.
{وَأَضَلُّ}: معطوف على شر مرفوع بالضمة غير منون لمنعه من الصرف.
{سَبِيلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (الذين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا المشهد إذلالاً للمستكبرين! بعد أن رد الله على شبهاتهم حول القرآن (آيات 32 - 33)، كشف هنا عن الهيئة المخزية التي سيساقون بها إلى عذاب السعير؛ جزاء ما تكبروا عن السجود لله واستعلوا في أنفسهم.
المقابلة التامة بين حالهم في الدنيا وحالهم في القيامة:
في الدنيا: استكبروا وعَتَوا ومشوا في الأسواق ببطر وخيلاء (آيات 7 و21).
في الآخرة: نكست رؤوسهم وسحبوا على أعز مواضعهم وهو الوجه إلى قعر جهنم.
الرد على استعلائهم السابق: زعموا أنهم أهدى سبيلاً من الرسول والفقراء، فحكم الله عليهم بحكم قطعي: {أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان النبوي العقلي على مشي الكافر على وجهه:
رد النبي صلى الله عليه وسلم المعجز والشافي على استغراب السائل: {أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ؟!}؛ فالمشي على الرجلين ليس خاصية ذاتية للإنسان، بل هو تدبير وقدرة أودعها الله فيه؛ فالقادر على خلق التوازن الحركي على قدمين قادر على خلقه على الوجه والبطن واليدين؛ فمن آمن بطلاقة القدرة الإلهية أدرك أن خرق العوائد في الآخرة أهون ما يكون على الخالق القدير سبحانه.