روى الطبري (ج19، ص302)مصدر غير محدد١٩/٣٠٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}: قال: "إن جهنم لترى أهلها من مسيرة مائة عام، فإذا رأتهم زفرت زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه هيبة لله".
وروى ابن أبي حاتم والحاكم عن عبيد بن عمير قال: "إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم عليه السلام ليقول: رب لا أسألك اليوم إلا نفسي!".
وقال قتادة والسدي: "التغيظ: الغليان من الغضب، والزفير: صوت اشتعال النار وتوقدها كصوت المرجل إذا غلى غلياناً شديداً".
وبيّن ابن كثير أن الله أضفى على جهنم صفات الكائن الحي الغضبان المنتقم لله؛ فهي تبصرهم من بعيد وتغلي حنقاً عليهم لعصيانهم خالقهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَغَيُّظًا}: صوت غليانها مع الحنق والغيظ، مأخوذ من الغيظ وهو أشد الغضب.
{زَفِيرًا}: الزفير تنفس النار مع شدة صوت لهبها، وهو أول صوت الحمار عند الشهيق والتردد.
الإعراب:
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{رَأَتْهُم}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر يعود على جهنم أو السعير، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{مِّن مَّكَانٍ}: جار ومجرور متعلق برأتهم.
{بَعِيدٍ}: نعت لمكان مجرور بالكسرة.
{سَمِعُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة جواب الشرط لا محل لها.
{لَهَا}: متعلق بحال من تغيظاً أو بمحذوف مفعول به ثان إن ضُمّن سمعوا معنى علموا.
{تَغَيُّظًا}: مفعول به لسمعوا بتضمينه معنى وجدوا أو أدركوا، أو مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور، أو مصدر في موضع المفعول.
{وَزَفِيرًا}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا المشهد الحركي المرعب في تصوير مصير المكذبين بالساعة! بعد أن ذكر إعداد السعير لهم في الآية السابقة، صور هنا لحظة اللقاء الأول بين المجرمين وجهنم.
البعد المكاني المروع: {مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}؛ فالنار ترصدهم من مسافات شاسعة، وقبل أن يقتربوا منها يباغتهم صوت حنقها وزفيرها فيتخلخل صياصي قلوبهم رعباً وهلعاً.
الجمع بين حاسة البصر (رأتهم) وحاسة السمع (سمعوا لها)؛ لتطويق مشاعرهم بالفزع من جميع المنافذ الحسية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إدراك النار ورؤيتها وتغيظها:
هل النار كائن عاقل يرى ويغضب؟
الجواب المحكم لأهل السنة والجماعة:
مذهب السلف إمرار النص على حقيقته؛ فالله تعالى قادر على أن يجعل للنار إدراكاً ورؤية وغيظاً ونطقاً كما قال تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}، وكما ثبت في الصحيحين في محاجة الجنة والنار.
وهذا الغيظ حقيقي ناشئ عن غضب الله على أعدائه، فالجمادات تسبح وتغضب لغضب بارئها.
وعلى الوجه البلاغي الاستعاري: هو تمثيل حسي بالغ الشدة لغليانها وتطاير شررها بما يشبه هيئة الغضبان الثائر المحنق على خصمه.