روى الطبري (19/292)مصدر غير محدد١٩/٢٩٢ عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ} أي يدركهم الليل وهم في طاعة ربهم وعبادته، يراوحون بين جباههم وأقدامهم؛ يبيتون سجداً على وجوههم وقياماً على أقدامهم يتلون كتاب الله.
قال ابن كثير (6/123)مصدر غير محدد٦/١٢٣: "هذه صفتهم في ليلهم بعد أن ذكر صفتهم في نهارهم، كقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، وقوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}؛ فهم بالنهار رهبان وبالليل فرسان، يقطعون ليلهم في مناجاة خالقهم خلوة وإخلاصاً".
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه، فقيل له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة نسقاً على {الَّذِينَ يَمْشُونَ}، في محل رفع نعت لـ "عباد" أو معطوف عليه.
{يَبِيتُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل. وبات يبيت في لغة العرب: إدراك الليل، سواء نام فيه أم لم ينم؛ فمن أدركه الليل فهو بائت، ولكن غلب في الاستعمال على قضاء الليل في العمل المذكور بعده.
{لِرَبِّهِمْ}: اللام للعلة والاختصاص، ربهم مجرور باللام والهاء مضاف إليه؛ وتقديم الجار والمجرور على الخبر لإفادة القصر والحصر والإخلاص المحض.
{سُجَّدًا}: حال منصوبة من واو الجماعة، أو خبر بات إن عُدت ناقصة؛ وسجداً جمع ساجد.
{وَقِيَامًا}: معطوف على سجداً منصوب، جمع قائم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل العبادة بين النهار والليل: بعد أن وصف حركتهم وسلوكهم النهاري في معاشرة الناس بالتواضع ومخاطبة الجاهلين بالحلم، كشف عن سر قوتهم الروحية ومصدر وقارهم النهاري، وهو الخلوة بالله ومناجاته بالليل بعيداً عن أعين الناس والرياء.
تقديم السجود على القيام: قدم {سُجَّدًا} على {وَقِيَامًا} مع أن القيام يسبق السجود في ترتيب الصلاة؛ لبيان أن السجود هو غاية الخضوع وأشرف أحوال الصلاة، ولما فيه من القرب الخاص من الله، كما صح في الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على من يدعي الاكتفاء بالصلاح الظاهري دون العبادة الباطنة:
تبين الآية تلازم الأخلاق الاجتماعية مع العبادة التعبدية الخالصة؛ فالأخلاق الإسلامية ليست سلوكاً نفعياً ولا برستيجاً اجتماعياً، بل هي ثمرة روحية لصلة القلب بربه في جوف الليل.
من ظن أنه يبلغ كمال الإنسانية بحسن الخلق المجرد مع إهمال حق الله في الصلاة والبيات ساجداً وقائماً فقد بتر حقيقة العبودية وعطل أعظم أركانها.
الإخلاص التام والتجرد من الرياء:
قيام الليل والبيات ساجداً لربه بعيد عن أعين الناس يمحص القلوب من الرياء؛ فالظلمة سترة، والناس نيام، ولا يشهد الركوع والسجود إلا الحي القيوم، ولهذا قيل: قيام الليل ميزان الصادقين.
تقديم شبه الجملة {لِرَبِّهِمْ}: إبراز لدافع العبادة وغايتها؛ فليست صلاتهم للسمعة ولا لمدح الناس، بل خالصة لوجه ربهم الرحيم المربي.
التعبير بالفعل {يَبِيتُونَ}: إشارة إلى طول المكث واستغراق شطر كبير من الليل في الركوع والسجود، حتى صار البيات مرادفاً للعبادة في حقهم.
المقابلة بين خضوع السجود وانتصاب القيام: رسم مشهد مهيب ومؤثر لتراوح الجسد بين أعلى درجات الخضوع بملامسة الجبهة للتراب، وبين الانتصاب إجلالاً وتلاوة لكلام الملك العلام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء سنة قيام الليل: الحرص على ركعات في جوف الليل ولو ركعتين قبل الوتر أو في السحر، فإنها زاد الطريق وأنس الصالحين.
استثمار السجود في الدعاء: إطالة السجود في خلوات الليل ومناجاة الله وسؤاله تفريج الكربات ومغفرة الزلات، فإنه موطن الإجابة وسكب العبرات.
استمداد الثبات النهاري من قيام الليل: إدراك أن الصمود أمام فتن النهار وسفه الجاهلين إنما يُبنى ويُغذى بركعات السحر والبيات بين يدي الرحمن.