روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص328)مصدر غير محدد١٩/٣٢٨ بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يَقِيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا}، وقرأ في سورة الأحقاف: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ}".
وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك نحو هذا، قالوا: "فرغ الله من حساب الخلائق في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، فيقيل أهل الجنة في رياض الجنة وظلالها، ويقيل أهل النار في سلاسل الجحيم ولهيبها".
وقال ابن كثير: "المستقر: مكان القرار والإقامة الدائمة، والمقيل: موضع القيلولة والاستراحة في نصف النهار، فبين تعالى كمال راحة أهل الجنة ونعيمهم وحسن مستقرهم مقارنة بعذاب الكفار في السعير".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُّسْتَقَرًّا}: مكان الاستقرار والدوام، من قَرَّ يَقِرُّ إذا ثبت واطمأن.
{مَقِيلًا}: موضع القيلولة، وهي الاستراحة نصف النهار، مأخوذ من القَيْل والقَيْلُولَة سواء كان معها نوم أو لم يكن؛ لأن الجنة لا نوم فيها كما صح في الحديث: "النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون".
الإعراب:
{أَصْحَابُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الْجَنَّةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{يَوْمَئِذٍ}: يوم ظرف زمان مضاف وإذ اسم مبني حرك بالكسر للتنوين تنوين عوض، متعلق بخير.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ أصحاب مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّسْتَقَرًّا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَأَحْسَنُ}: معطوف على خير مرفوع بالضمة غير منون لأنه ممنوع من الصرف للوصفية ووزن أفعل.
{مَقِيلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذا النسيم الإيماني الوادع الذي يعقب عواصف الرعب والهباء المنثور! فبعد أن صور المكان الضيق والمقرنين في الأصفاد وتلاشي أعمال الكفار، فتح نافذة النور على جنات النعيم ليرى المؤمن مستقره الأبدي ومقيله الهانئ.
إشارة التعبير بـ {مَقِيلًا} إلى سرعة انقضاء يوم الحساب وسهولته على المؤمنين؛ حتى كأنه نصف يوم دنيوي ينتهي بقيلولة وادعة في رياض الفردوس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نفي النوم والتعب عن أهل الجنة:
كيف يقال {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} والجنة لا نوم فيها ولا تعب يستوجب القيلولة؟
الجواب المحكم بالأصول والبلاغة:
القيلولة في لغة العرب لا تستلزم النوم، بل تطلق على مجرد الاستراحة والظفر بالظل الوارف والأنس بعد السير في الهاجرة.
استعمل اللفظ لمخاطبة المعهود عند البشر في الدنيا؛ فالقيلولة وقت الراحة والأنس واجتماع الأحبة بعد كد العمل، فاستعيرت للنعيم والأمن الذي يلقاه المؤمنون بعد كد الدنيا وأهوال المحشر.