روى الطبري (19/309)مصدر غير محدد١٩/٣٠٩ عن ابن عباس والحسن وقتادة: {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أي أن يريهم الله في أزواجهم وذرياتهم طاعة الله والعمل بمرضاته، فليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده يطيعون الله عز وجل.
قال الحسن البصري رحمه الله لما سئل عن هذه الآية: "هو والله أن يري الله العبدَ المسلم من زوجه، ومن أخيه، ومن حميمه طاعة الله، وايم الله ما شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولداً، أو ولد ولد، أو حباً، أو حميماً مطيعاً لله عز وجل".
معنى {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: أي أئمة يُقتدى بنا في الخير والهدى وطاعة الله، نأتم بالمتقين ويأتم بنا المتقون؛ ولم يسألوا الرياسة الدنيوية وإنما سألوا الإمامة في الدين والتقوى.
القراءات في {وَذُرِّيَّاتِنَا}: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص: {وَذُرِّيَّاتِنَا} بالجمع، وقرأ أبو عمرو وحمزة وشعبة: {وَذُرِّيَّتِنَا} بالإفراد، وهما يدلان على جنس الذرية واستغراق النسل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: معطوف في محل رفع.
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع وفاعله، وجملة الصلة.
{رَبَّنَا}: منادى مضاف، و"نا" مضاف إليه.
{هَبْ لَنَا}: هب فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت، ولنا جار ومجرور متعلقان بـ "هب". والهبة: العطاء الصافي من غير عوض ولا منة.
{مِنْ أَزْوَاجِنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "هب" أو بحال محذوفة، و"من" بيانية أو ابتدائية أو للتبعيض.
{وَذُرِّيَّاتِنَا}: معطوف على أزواجنا مجرور.
{قُرَّةَ أَعْيُنٍ}: مفعول به لـ "هب" منصوب بالفتحة، وأعين مضاف إليه مجرور. وقرة العين مأخوذة من القَرار وهو الاستقرار والسكون، أو من القُر وهو البرد، وضده سخنة العين بالدمع الحار عند الحزن.
{وَاجْعَلْنَا}: عطف على "هب"، اجعل فعل دعاء، و"نا" مفعول به أول.
{لِلْمُتَّقِينَ}: جار ومجرور متعلقان بـ "إماماً" أو بحال مقدمة.
{إِمَامًا}: مفعول به ثان لـ "اجعل" منصوب بالفتحة؛ وإماماً مفرد أريد به الجمع لأنه مصدر في الأصل، أو جمع آمّ (كصائم وصيام)، أو على نية كل واحد منا إماماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الامتداد التربوي والاستخلافي: بعد أن اكتملت صفاتهم في أنفسهم (تواضعاً، وتهجداً، وخوفاً، واعتدالاً مالياً، وعفة، ونزاهة، ووعياً بالوحي)، تطلعت نفوسهم الزكية إلى نقل هذا الصلاح إلى الدائرة الأسرية الضيقة (الزوجة والذرية) ليضمنوا استمرار راية التوحيد، ثم إلى الدائرة المجتمعية الواسعة بنيل إمامة المتقين في الأرض.
التناسب مع مقصود السورة: السورة نزلت لبيان "الفرقان" وعلو راية الحق؛ وأعظم ما يثبت الفرقان في الأجيال هو وجود أئمة هداة مهديين تقر بهم أعين الموحدين ويقودون المجتمع نحو التقوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين طلب الإمامة في الدين وطلب الرياسة الدنيوية:
يدفع النص شبهة تعارض طلب الإمامة مع النهي عن طلب الإمارة والرياسة الدنيوية؛ فالمنهي عنه هو طلب الشرف والشهرة والتحكم في رقاب الناس لحظ النفس.
أما طلب الإمامة في التقوى فهو سؤال لزيادة الصبر، واليقين، والأخلاق، حتى يقتدي الناس بعمله الصالح، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، فطلب الوسيلة لزيادة طاعة الله وخدمة دينه مطلوب شرعاً.
الفهم الصحيح لـ "قرة الأعين":
قرة العين الحقيقية في ميزان الإيمان ليست بجمال الزوجة الفاني ولا بكثرة أموال الأبناء ومناصبهم، بل بصلاح دينهم واستقامتهم على منهج الله؛ فصلاح الأهل هو النعمة الباقية التي تسعد القلب في الدنيا والبرزخ والآخرة.
الاستعارة التمثيلية في {قُرَّةَ أَعْيُنٍ}: تمثيل لحالة الرضا والسكينة وامتلاء القلب بالسرور حتى تستقر العين وتكف عن التطلع إلى غيرهم من أهل الدنيا.
الإفراد في {إِمَامًا}: إشارة إلى وحدة المنهج وتماسك جماعة المتقين؛ كأنهم جميعاً برغم كثرتهم يشكلون إماماً واحداً متطابقاً في الاتجاه نحو رضوان الله.
التعبير بالهبة {هَبْ لَنَا}: اعتراف بالعجز المطلق عن هداية الأبناء والزوجات إلا بفضل الله وتوفيقه ومحض نعمته؛ فالهداية منحة إلهية تستجدى بالدعاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العناية بالتربية الأسرية للأبناء والزوجات: بذل الجهد في غرس القيم التوحيدية والأخلاق الفاضلة في البيت، وجعل صلاح الأسرة الهم الأكبر للأب والأم.
علو الهمة في الطموح الإيماني: ألا يرضى المسلم بالدونية والكسل في دينه، بل يسأل الله أعلى المراتب وهي إمامة المتقين، ويعد العدة لها بالصبر واليقين وطلب العلم.
إدراك أثر الدعاء في صلاح الذرية: ملازمة هذا الدعاء القرآني في الصلاة ومواطن الإجابة؛ فكم من ولد هداه الله بدعوة صالحة من والديه.