روى الطبري (ج19، ص325)مصدر غير محدد١٩/٣٢٥ بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس في قوله: {هَبَاءً مَّنثُورًا}: "هو شعاع الشمس الذي يدخل من الكوة في الحائط، ترى فيه مثل الغبار والذرات الدقيقة تتطاير، فإذا أمسكت بيدك لم تجد في يدك شيئاً".
وروى عن مجاهد وقتادة والحسن قالوا: "الهباء المنثور: هو ما تطيره الرياح من دقاق التراب ورماد الشجر ويابسه، يتطاير في الهواء فلا يبقى له أثر ولا ينتفع به".
وقال ابن كثير (ج6، ص92)مصدر غير محدد٦/٩٢: "هذا إخبار عن إحباط أعمال الكفار والمشركين التي ظنوا أنها صالحة في الدنيا؛ من صلة الأرحام، وفكاك الأسارى، وإطعام الطعام، وقرى الضيف؛ فلما لم تكن قائمة على أساس الإيمان بالله ورسوله والإخلاص له، عاملهم الله بعدله وجعلها هباء منثوراً لا وزن لها ولا ثواب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَدِمْنَا}: القُدُوم في الأصل الانتقال والمجيء، واستعمل هنا في حق الله تعالى على طريق المجاز والاستعارة للتعمد والقصد إلى المحاسبة والجزاء كفعل القاصد المجد.
{هَبَاءً}: ذرات الغبار الدقيقة المعلقة في الهواء التي لا تدرك باللمس وتظهر في ضوء الشمس الداخل من نافذة.
{مَّنثُورًا}: متفرقاً مبثوثاً في الفضاء لا يجتمع منه شيء.
الإعراب:
{وَقَدِمْنَا}: الواو استئنافية، قدمنا فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل مبني على السكون.
{إِلَىٰ مَا}: إلى حرف جر، ما اسم موصول مبني في محل جر بإلى متعلق بقدمنا.
{عَمِلُوا}: ماض وفاعله والجملة صلة ما.
{مِنْ عَمَلٍ}: من بيانية، وعمل مجرور بمن متعلق بمحذوف حال.
{فَجَعَلْنَاهُ}: الفاء عاطفة تفريعية، جعلنا ماض ونا فاعل والهاء مفعول به أول يعود على العمل.
{هَبَاءً}: مفعول به ثان لجعلنا منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مَّنثُورًا}: نعت لهباء منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا المشهد إيلاماً وحسرة للمجرمين! فبعد أن حرموا البشرى واستغاثوا بلا مجيب، التفتت المحاكمة الإلهية إلى رصيدهم وأعمالهم التي كانوا يمنون بها أنفسهم؛ فإذا هي تتلاشى في الهواء كالرماد المتطاير.
استخدام التعبير {قَدِمْنَا إِلَىٰ}: يفيد العناية والاهتمام بفحص الأعمال وإظهار بطلانها أمام الأشهاد، فلا يظن ظالم أن عمله أهدر بغير حساب وتدقيق.
الجمع بين {هَبَاءً} و{مَّنثُورًا}: الهباء بطبيعته ضعيف لا جرم له، وزاده كونه منثوراً تشتتاً وتبعثراً وضياعاً تاماً بحيث لا يرجى تجميعه البتة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شروط قبول العمل وبطلان عمل غير المؤمن:
برهان عقلي وشرعي جازم: العمل كالبناء، والإيمان بالله والتوحيد هو الأساس والأسمنت؛ فلو بنى إنسان ناطحة سحاب على رمال متحركة أو على الهواء لانهارت عند أول نفخة؛ كذلك الكافر: عمل أعمالاً لم يبتغ بها وجه الله ولا آمن برسله، بل أراد بها السمعة أو النفع الدنيوي العاجل، فكافأه الله عليها بصحة ومال وثناء في الدنيا، حتى إذا ورد الآخرة وجد الأساس منعدماً فصار البناء كله هباءً منثوراً؛ وهذا عين العدل والحكمة.
الاستعارة التمثيلية الحية في {هَبَاءً مَّنثُورًا}: تصوير حسي مذهل يجسد العدم المطلق والتلاشي بعد الرجاء والانتفاخ الكاذب.
التعبير بـ {مِنْ عَمَلٍ}: للبيان والشمول؛ أي كل عمل مهما كبر حجمه وتعاظمت مشقته في الدنيا إذا خلا من التوحيد صار هباء.
تدبر الخوف من حبوط العمل: أن يرتعد قلب المؤمن خوفاً من الرياء والشرك الخفي؛ فرب عمل عظيم يتعب فيه العبد يجعله الله هباء منثوراً لعدم إخلاصه لربه ومتابعته لرسوله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الإخلاص والمتابعة: الحرص على ركني قبول العمل: إخلاص النية لله، وموافقة السنة النبوية الشريفة؛ لئلا يضيع التعب هباء.
الحذر من الغرور بكثرة الأعمال: تفقد النوايا والقلوب دائماً وسؤال الله القبول والعفو.
توجيه المحسنين من غير المسلمين للإسلام: بيان أن الإحسان المجرد لا ينقذ صاحبه في الآخرة ما لم يرتكز على الإيمان بالخالق وتوحيده.