روى الطبري (ج19، ص336)مصدر غير محدد١٩/٣٣٦ بسنده عن ابن عباس وعطاء وقتادة في قوله: {يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}: "قال: فلان هو أبيّ بن خلف، وقيل: هو الشيطان، وقيل: هو عام في كل قرين سوء يصد عن سبيل الله ويجر صاحبه إلى النار".
وقوله: {يَا وَيْلَتَىٰ} قال المفسرون: "دعاء بالهلاك والويل، ينادي هلكته التي حلت به ندامة على مصاحبة ذلك الخليل الملعون".
وقال ابن كثير: "يتمنى الظالم لو لم يتخذ ذلك الكافر الفاجر صديقاً خالصاً وخليلاً؛ لأنه كان سبب هلاكه وصدوده عن الحق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَا وَيْلَتَىٰ}: الويل هو الهلاك والعذاب، والياء ألف أصلها ياء المتكلم وقُلبت ألفاً في النداء للاستغاثة والتوجع، والألف للندبة والتفجع.
{فُلَانًا}: كناية عن اسم علم مذكر لا يراد التصريح باسمه لتعميم العبرة في كل قرين سوء.
{خَلِيلًا}: الخليل هو الصديق الوفي المقرب الذي تخللت محبته مسالك الروح والقلب.
في هذه الآية: تمنى السلب: {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}.
استخدام لفظ الكناية المبهم {فُلَانًا}: إعجاز بياني قرآني؛ فلم يصرح باسم (أبيّ بن خلف) لئلا يُظن أن الأمر مقصور عليه، بل أطلقه ليتسع لكل "فلان" يجر خليله إلى الانحراف والمخدرات والردة والشبهات والكبائر في كل عصر ومصر.
اقتران التفجع {يَا وَيْلَتَىٰ} بالتمني: يصور بلوغ الألم النفسي ذروته، حتى يتنادى الهلاك كأنه حاضر يتجرعه العبد قطرة قطرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة الصداقة المسمومة في انحراف الفرد:
تؤكد الآية الحقيقة التربوية والاجتماعية الراسخة: الصاحب ساحب، والإنسان يتأثر بقرينه حتماً؛ فالمرء على دين خليله كما صح في الحديث النبوي: "فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ"، والصداقة التي تعين على معصية الله أو تبعد عن منهج الرسل خيانة وجودية تنقلب يوم القيامة إلى عداوة مستعرة: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
التنكير والتعميم في {فُلَانًا}: إرسال للآية مجرى المثل والقانون الساري في بني آدم في كل زمان.
تدبر مآل الخلة الفاسدة: كم من فتى كان على مشارف الهداية والاستقامة فجاءه "فلان" فصرفه ووسوس له حتى أورده موارد الهلاك، فليحذر العاقل من خلة فلان قبل فوات الأوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الغربلة المستمرة لدائرة الأصدقاء والمعارف: قطع العلاقات والخلطات التي تجر إلى الفسوق والشكوك وترك الواجبات.
التمسك بالصحبة الصالحة: مصاحبة من يذكر بالله رؤيته وتزيد في العلم والتقوى كلماته وأفعاله.
النصيحة الصادقة للأبناء والشباب: توجيه الأبناء نحو البيئات النقية وحمايتهم من رفقة السوء التي تفسد دينهم وأخلاقهم.