روى الطبري (19/279)مصدر غير محدد١٩/٢٧٩ عن ابن عباس: {وَجَاهِدْهُم بِهِ} أي بالقرآن. وهو إجماع المفسرين المحققين من أهل السنة كقتادة ومجاهد والضحاك؛ إذ نزلت هذه الآية بمكة قبل فرض القتال بالسيف.
قال ابن كثير (6/114)مصدر غير محدد٦/١١٤: "{فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} أي في مداهنتهم وترك ما أرسلت به، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك، {وَجَاهِدْهُم بِهِ} أي بالقرآن، {جِهَادًا كَبِيرًا} كما قال ابن عباس: أي بالحجة والبيان وإقامة الدلائل والبراهين".
بين ابن عاشور في التحرير والتنوير (19/40)مصدر غير محدد١٩/٤٠: "الجهاد هنا جهاد الحجة والتبليغ؛ لأن الآية مكية باتفاق، والمجاهدة بالقرآن أعظم الجهاد؛ لأنه يفتح القلوب ويهدم معاقل الشبهات، والجهاد بالسيف إنما هو وسيلة لإزالة الموانع أمام وصول القرآن".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلَا}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر (إذا علمت ما خصصناك به فلا تطعهم)، و"لا" ناهية جازمة.
{تُطِعِ}: فعل مضارع مجزوم بـ "لا" الناهية، وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{الْكَافِرِينَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
{وَجَاهِدْهُم}: الواو عاطفة، "جاهد" فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم للجمع. والمجاهدة مفاعلة تقتضي بذل أقصى الجهد والطاقة في مدافعة العدو.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "جاهدهم"، والضمير يعود على القرآن الكريم أو الفرقان المذكور في أول السورة.
{جِهَادًا}: مفعول مطلق منصوب مؤكد للفعل ومبين للنوع بالوصف بعده.
{كَبِيرًا}: نعت لـ "جهاداً" منصوب، دال على عظم هذا الجهاد وشموخه ودوامه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفريع النهي والأمر على ما سبق: تفريع بالفاء؛ إذ لما قرر الله اختصاص نبيه بالرسالة العامة، فرع عليه النهي عن إطاعة الكافرين في طلب مداهنتهم أو ترك تسفيه أصنامهم، وأمره بالثبات ومنازلتهم بأعظم سلاح وهو القرآن.
المزاوجة بين النهي السلبي والأمر الإيجابي: النهي عن الطاعة والمداهنة يقابله الأمر بالجهاد الإيجابي الصادع بالحق؛ فلا يكفي ترك المداهنة بل لا بد من المبادأة بالدعوة ومهاجمة الباطل بالحجة البالغة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير مفهوم "الجهاد الكبير":
يدفع النص القرآني شبهة حصر "الجهاد" في الإسلام بالقتال العسكري بالسيف؛ فنزول هذه الآية في مكة يثبت أن أصل الجهاد وأعظمه وأسبقه هو جهاد البيان والحجة والدعوة والبرهان.
الجهاد بالسيف عارض لحماية المستضعفين ودفع العدوان، أما جهاد القرآن فهو الجهاد الدائم الذي لا ينقطع إلى قيام الساعة في كل زمان ومكان.
الجمع بين النهي عن إطاعة الكافرين ولين الخطاب: النهي هنا عن موافقتهم في دينهم أو الركون إلى مقترحاتهم الباطلة، ولا يتعارض ذلك مع معاملتهم بالقسط والبر في غير المحاربة، ولا مع حسن الخطاب بالتي هي أحسن.
وصف الجهاد بـ {كَبِيرًا}: وصف عظيم يرفع شأن المجادلة بالقرآن إلى مصاف أعلى القربات؛ لأنه قتال للأهواء، وتفكيك للشبهات، وهداية للأرواح من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان.
عودة الضمير في {بِهِ}: إبراز لمرجعية القرآن وحده في معركة الوعي؛ فالقرآن ليس مجرد نص يتلى للتعبد بل هو أداة كبرى لغزو العقول وإقناع الفطر وتأسيس الحضارة.
تدبر التعبير بالمفاعلة {وَجَاهِدْهُم}: يدل على استمرار المعركة الفكرية والروحية وشدة مناهضة الباطل للحق، مما يتطلب نفساً طويلاً ومثابرة دائمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أولوية جهاد الحجة والبيان: واجب الدعاة والمفكرين وطلبة العلم اليوم أن يتسلحوا بمعارف القرآن وبراهينه؛ للرد على الإلحاد والتشكيك، فهذا هو الجهاد الكبير المعين بنص التنزيل.
الحذر من المداهنة والتمييع: الصمود أمام الضغوط الفكرية والسياسية التي تحاول مساومة أهل الحق على ثوابتهم الشرعية.
اليقين بكفاية القرآن: الثقة المطلقة بأن في القرآن من الحجج والبراهين العقلية والنفسية ما يقهر كل شبهة ويزهق كل باطل مهما انتفش وزخرف.