روى الطبري (ج19، ص308)مصدر غير محدد١٩/٣٠٨ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ}: "أي لأهل الجنة فيها كل ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم، لا يطلبون شيئاً إلا أوتوه في الحال، وهم في ذلك مقيمون لا يموتون ولا يخرجون منها أبداً".
وفي قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا} روى عن ابن عباس وأبي صالح قالا: "تسأله الملائكة للمؤمنين، يقولون: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم}، ويسأله المؤمنون في الدنيا فيقولون: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ}".
وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظي: "وعداً مسؤولاً: أي واجباً حقاً لا بد أن ينجزه الله ويفي به لمن أطاعه، فهو مسؤول الوفاء به بمقتضى كرمه وفضله ووعده الحق".
وبيّن ابن كثير أن الله أوجب هذا الوعد على نفسه الكريمة تفضلاً وإحساناً؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَّسْئُولًا}: اسم مفعول من سَأَلَ؛ أي يُسأل ويُطلب تحقيقه، أو هو حقيق بأن يُسأل لعظمته، أو واجب الإنجاز كالدين الذي يسأل صاحبه أداءه.
الإعراب:
{لَّهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{فِيهَا}: متعلق بالخبر المحذوف أو بمحذوف حال.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{يَشَاءُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وجملة الصلة لا محل لها، والعائد محذوف تقديره يشاؤونه.
{خَالِدِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم من الضمير المجرور في لهم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر يعود على الوعد أو الإعطاء.
{عَلَىٰ رَبِّكَ}: متعلق بمسؤولاً أو بمحذوف حال منه.
{وَعْدًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مَّسْئُولًا}: نعت لوعداً منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الإطلاق الغامر للنعيم في دار المقامة! فبعد أن ذكر جنة الخلد في الآية السابقة، بين سعة هذا النعيم وكماله بعبارة موجزة جامعة: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ}.
المقابلة النفسية بين أهل النار المحرومين من أمنيتهم بالهلاك {ثُبُورًا} وبين أهل الجنة الذين ينالون كل ما يخطر في بالهم ومشيئتهم {مَا يَشَاءُونَ}.
التوكيد الحاسم بالالتفات إلى الخطاب النبوي: {عَلَىٰ رَبِّكَ}؛ لتكريم النبي صلى الله عليه وسلم وتطييب خاطره بأن ربه قد أوجب هذا الوعد بالحق نصرة لأوليائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق معنى الوجوب في قوله {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا}:
رد شبهة المعتزلة في الوجوب على الله:
قرر أئمة أهل السنة (كابن جرير وابن كثير وابن تيمية) أن الله جل وعلا لا يجب عليه شيء بمقتضى إلزام أحد من خلقه، ولا يحكم عليه حاكم، بل هو الذي أوجب على نفسه الكريمة الرحمة والوفاء بالوعد تفضلاً وإحساناً منه كما قال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}؛ فإنجاز الوعد حق واجب أوجبه الله بفضله وكرمه، وهو لا يخلف الميعاد قطعاً، فجاز التعبير بـ {عَلَىٰ} الدالة على الالتزام الرباني الذاتي المحض.
الإطلاق والإبهام في {مَا يَشَاءُونَ}: كلمة تستغرق كل نعيم جسدي وروحي وفكري ونفسي؛ فمشيئتهم في الجنة مطاعة، ولا تشتهي نفوسهم إلا ما هو طاهر مباح يرضي الله.
تقييد المشيئة بالخلود: {خَالِدِينَ}؛ لدفع أي هاجس من خوف الزوال؛ لأن كمال النعيم لا يكتمل إلا بالأمن من فنائه.
تدبر السؤال في {وَعْدًا مَّسْئُولًا}: يربي المؤمن على حسن الدعاء والتوسل بوعد الله؛ فالمؤمن يسأل الله في سجوده ما وعده على ألسنة الرسل بيقين الواثق بفضل سيده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اتساع طموح المؤمن وأمله بالله: الرضا في الدنيا بالقليل لعلم المؤمن بأن الله ادخر له نيل كل مشيئته في دار الخلد.
المداومة على سؤال الجنة: الإكثار من دعاء الأنبياء والصالحين بسؤال الجنة والنجاة من النار؛ فالوعد مسؤول ومطلوب.
حسن الظن بالله والثقة بوعده: اليقين بأن تضحيات الدنيا وجهاد النفس لن تضيع، وأن موعد الوفاء التام آت لا محالة.