روى الطبري (ج19، ص315)مصدر غير محدد١٩/٣١٥ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في توجيه الخطاب الإلهي بعد براءة المعبودين: {فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ}: "يخاطب الله المشركين العابدين: فقد كذبكم هؤلاء الذين كنتم تعبدونهم وتزعمون أنهم آلهة وأنهم يشفعون لكم، وتبرؤوا منكم، وقالوا: ما دعوناكم إلى ذلك وما رضينا به"، {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا}: "أي فما تستطيعون صرف العذاب عن أنفسكم بدفع أو حيلة، ولا نصر أنفسكم بالانتصار والاستعانة بأحد".
وقرأ حفص وعاصم وحمزة والكسائي بالتاء: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} خطاباً للمشركين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالياء: {فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} على الغيبة إما للمعبودين وإما للمشركين.
وقوله: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} قال ابن كثير: "من يشرك بالله ويعتدي بظلم الشرك وهو أعظم الظلم نذقه في الآخرة عذاباً مؤلماً كبيراً لا قدر له في نار جهنم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{صَرْفًا}: دفع العذاب وتحويله عنكم إلى جهة أخرى.
{نَصْرًا}: معونة ودفاعاً تمنعون به أنفسكم من قهر العذاب.
{يَظْلِم}: الظلم هنا هو الشرك بالله؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
الإعراب:
{فَقَدْ}: الفاء فصيحة، قد حرف تحقيق.
{كَذَّبُوكُم}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل والكاف مفعول به والميم للجمع.
{بِمَا تَقُولُونَ}: الباء حرف جر للملابسة أو السببية، وما موصولة أو مصدرية، وجملة تقولون صلتها.
{فَمَا}: الفاء عاطفة تفريعية، ما نافية لا عمل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الحسم الإلهي والمشهد القضائي الخاتم لمسألة الشرك!
سأل الله المعبودين لتقريع المشركين (آية 17).
أعلن المعبودون براءتهم التامة وتسبيحهم ونسبوا الضلال إلى تمتع المشركين وبوار قلوبهم (آية 18).
صدم الله المشركين بهذا الحكم الفوري الفاصل: {فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ}؛ فبطلت كل أوهام الشفاعة وتلاشت مزاعم الولاية.
النفي المزدوج الصارم للحيلة والقوة: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا}؛ فلا حيلة لدفع العذاب بالفرار والتحويل، ولا قوة لنصرة النفس بالمواجهة والمقاومة؛ إفلاس تام وسقوط مطلق في قبضة العدالة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط أوهام الشفاعة الشركية:
المحاكمة العقلية الصريحة: كان المشركون يبررون عبادتهم للأولياء والأصنام بقولهم: {هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} و{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}؛ فجاء هذا المشهد الحاسم ليريهم عياناً أن هؤلاء الشفعاء المزعومين يكذبونهم في وجوههم، ويتبرؤون منهم، ولا يملكون لهم صرفاً ولا نصراً؛ مما يثبت أن الشرك خسران مبين ووهم سراب لا حقيقة له.
الالتفات المباغت إلى الخطاب المباشر: {فَقَدْ كَذَّبُوكُم... فَمَا تَسْتَطِيعُونَ}؛ بعد أن كان الحديث عنهم بضمير الغيبة في الآيات السابقة؛ لمفاجأتهم بالتبكيت وتعميق الحسرة في وجوههم.
تنكير {صَرْفًا} و{نَصْرًا}: في سياق النفي لإفادة الشمول التام؛ أي لا يملكون أدنى صرف لشرارة ولا أقل نصر لدفعة.
تدبر التعبير بـ {نُذِقْهُ}: الإذاقة تفيد إيصال الألم الحارق إلى أدق حواس الإدراك ليتجرع مرارة الذنب في صورة عذاب حسي كبير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التبرؤ من كل طاغوت وشريك: الإخلاص التام لله؛ فكل من اتخذ إلهاً أو ولياً من دون الله خذله وتبرأ منه أحوج ما يكون إليه.
الحذر من الظلم وأعظمه الشرك: البعد عن سائر أنواع الظلم (الشرك بالله، وظلم العباد، وظلم النفس بالذنوب) مخافة العذاب الكبير.
الثقة بالعدالة الإلهية المطلقة: الاطمئنان إلى أن الله سيفصل بين الخلائق بالحق، وسيفضح كل مفتٍ بالباطل على رؤوس الأشهاد.