روى الطبري (ج19، ص286)مصدر غير محدد١٩/٢٨٦ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الذين كفروا من مشركي قريش (كالنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وأبي جهل) قالوا عن القرآن العظيم: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ}: أي كذب واختلاق اختلقه محمد من تلقاء نفسه، {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}: زعموا أنه استعان بنفر من أهل الكتاب (كجَبْر ويَسار وعَدَّاس، وكانوا غلماناً يقرؤون التوراة والإنجيل بمكة).
فرد الله عليهم كيدهم وأبطل بهتانهم بقوله: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا}؛ أي أتوا بأمر باطل وظلم فاحش وزور مكذوب يعلمون في قرارة أنفسهم بطلانه؛ إذ كيف يعين هؤلاء الأعاجم محمداً على هذا النظم المعجز الذي عجز عنه فصحاء العرب وبلغاؤهم؟!
وقال ابن كثير: "رد الله عليهم فريتهم بأنهم أتوا ظلماً عظيماً حيث افتروا على الرسول الصادق الأمين، وزوراً باطلاً حيث نسبوا هذا القرآن البليغ المعجز إلى أعاجم لا يحسنون العربية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِفْكٌ}: أسوأ الكذب وأشنعه، وأصله القلب والتحريف، أفك الشيء قلبه عن وجهه.
{زُورًا}: الكذب والباطل المموه، من الازوِرار وهو الميل عن الحق.
الإعراب:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: فعل وفاعل وصلة.
{إِنْ هَٰذَا}: إن نافية بمعنى ما، هذا اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
{افْتَرَاهُ}: فعل ماض ومفعوله والفاعل مستتر، والجملة نعت لإفك.
{وَأَعَانَهُ}: الواو عاطفة، أان ماض والهاء مفعول به.
{عَلَيْهِ}: متعلق بأعانه.
{قَوْمٌ}: فاعل مرفوع بالضمة، {آخَرُونَ}: نعت لقوم مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{فَقَدْ}: الفاء للتعقيب أو فصيحة، قد حرف تحقيق.
{جَاءُوا}: ماض وفاعله.
{ظُلْمًا}: مفعول به لتضمين جاؤوا معنى أتوا واقترفوا، أو مفعول لأجله أو حال.
{وَزُورًا}: معطوف منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بيّن الله عظمة الفرقان المنزل في الآيات الأولى وأقام الأدلة العقلية على التوحيد، انتقل مباشرة إلى عرض شبهات المنكرين وطعوناتهم؛ ليفندها شبهة تلو أخرى بأسلوب القرآن البرهاني المعجز.
تناسب بديع بين تهمة المنافقين في سورة النور (حديث الإفك ضد عائشة) وبين تهمة المشركين في سورة الفرقان (دعوى الإفك ضد القرآن والرسول)؛ فالمشرب الشيطاني واحد: رمي الأطهار بأشنع الإفك.
التعقيب الإلهي الصارم: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} لم ينتظر، بل دمغ دعواهم بالظلم والزور في نفس الآية قبل استطراد الرد المفصل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد العقلي على دعوى استعانة النبي بالأعاجم:
المحاكمة العقلية كشفت التناقض السخيف للمشركين:
كيف يُعقل أن رجلاً أمياً نشأ بينكم أربعين سنة لم يتعلم خطاً ولم يجلس إلى معلم، ثم يستعين بغلمان أعاجم لكنتهم عجمية مكسرة، ليأتوا بكتاب أعجز أرباب الفصاحة والبلاغة والشعر في قريش وسائر قبائل العرب المعلقة أشعارهم في الكعبة؟!
كما قال تعالى في سورة النحل مفحماً لهم: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}.
فدعواهم هذه تنطق بكذبهم وزورهم الفاضح وعجزهم عن معارضة أقصر سورة منه.
أسلوب الحصر بـ {إِنْ... إِلَّا}: لتصوير مكابرة الكفار واستماتتهم في تشويه الحق بحصره في الكذب والافتراء.
التعبير بـ {جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا}: استعارة تمثيلية كأن الظلم والزور بضاعة محملة جاءوا بها إلى سوق الخزي والفضيحة.
تدبر سلاح التشويه الإعلامي: أن أهل الباطل في كل عصر حين يعجزون عن مجابهة الحجة بالبرهان، يلجؤون إلى رمي المصلحين بالإفك والعمالة وتلقي الإملاءات الخارجية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات أمام حملات التشويه: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم حين رُمي بأعظم الافتراء فصبر حتى أظهر الله دينه.
التسلح بالبرهان العلمي: الرد على الشبهات المعاصرة المثارة حول القرآن الكريم بقوة الحجة والبيان اللغوي والتاريخي الرصين.
حرمة الظلم والزور: اجتناب رمي الأبرياء بالتهم الباطلة وتلفيق الأكاذيب ضد أهل الفضل والدعوة.