روى الطبري (ج19، ص357)مصدر غير محدد١٩/٣٥٧ بسنده عن ابن عباس ومجاهد في حكاية قول المشركين: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا}: "أي كاد محمد بقوة بيانه وفصاحة قرآنه وحجته البالغة أن يصرفنا عن عبادة أصنامنا وآبائنا، {لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا}: أي لولا أن ثبتنا على عبادتها وتواصينا بالصبر عليها"، كما قالوا: {وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}.
فعقّب الله تعالى مهدداً إياهم: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} قال قتادة: "سيعلم هؤلاء المشركون حين يعاينون عذاب النار يوم القيامة من هو الضال الحقيقي: أهو محمد وحزبه أم هم وآلهتهم الباطلة؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِن كَادَ}: إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، وكاد فعل ماض ناقص يفيد المقاربة.
{لَيُضِلُّنَا}: اللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة، ويضلنا مضارع وفاعله مستتر والضمير مفعول به.
الإعراب:
{إِن}: مخففة من الثقيلة مهملة، واسمها ضمير الشأن محذوف.
{كَادَ}: فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر يعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا الاعتراف الضمني اللاإرادي بقوة القرآن والنبوة! فبعد أن استهزؤوا في الآية السابقة قائلين: {أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا}، اعترفوا في هذه الآية برعبهم الباطن من تأثيره وقوة حجته: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا}؛ مما يثبت أن استهزاءهم كان قناعاً مصطنعاً يدارون به خوفهم الداخلي من سطوة الحق.
الرد الصاعق بالتهديد المستقبلي: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا}؛ إرجاء للفصل العملي إلى يوم الحساب حيث تنكشف كل الموازين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ظاهرة "الصبر على الباطل" والتعصب الأعمى:
تحلل الآية ظاهرة خطيرة في النفس البشرية: قد يملك الإنسان طاقة هائلة من الصبر والتحمل والجهاد ولكن في سبيل الشيطان والباطل؛ فالصبر في ذاته وسيلة وليس غاية، فإن كان على التوحيد والحق كان صبراً محموداً يورث الجنة، وإن كان على الشرك والفساد كان مكابرة وعناداً يورث الخزي؛ فالمشركون تواصوا بالصبر على عبادة الأوثان وظنوا ذلك شجاعة وثباتاً، بينما هو عين الانتكاس العقلي.